فارس الحباشنة : أمريكا، حليف إسرائيل أم تركيا؟
في قمة الناتو المنعقدة في أنقرة لا بد من تذكر ما قاله رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في خطابه التاريخي في مؤتمر دافوس، الذي يعتبر الاهم في تاريخ الناتو، اقوى حلف عسكري على وجه الكرة الارضية، وأكد كارني على القطيعة في النظام الدولي.
وقال: إن النظام العالمي القديم لن يعود، وأن الحنين ليس استراتيجية.
ودعا الى دعم الاعتراف والتظاهر بان النظام القديم الذي عرفه العالم بعد الحرب العالمية الثانية ما زال قائما وفاعلا.
مفردات وجمل تبدو الاكثر جرأة ومكاشفة في الاعتراف سياسيا عن واقع حلف الناتو، وما يواجه من عقد وتحديات مستعصية لتماسكه ووحدته كحلف غربي: اوروبي وامريكي.
من بعد الحرب العالمية الثانية وولادة نظام عالمي جديد، والثنائية القطبية الامركية السوفياتية، قام الناتو على فرضية أن الغرب وحدة جماعية، ولا توحدها الجغرافيا والثقافة، بل الوحدة الامنية والعسكرية، وتقودها امريكا، وتتكفل في خوض حروب الغرب الكبرى.
وتفوض امريكا في ادارة الحروب وخوضها، وادارة الصراعات العالمية، وحماية حركة التجارة والملاحة البحرية الكونية، وضمان أمن اوروبا ودول الناتو، وفي عقيدة الناتو الولاء لامريكا.
اليوم، ما بعد حرب ايران العالم أمام فرضية جديدة في العلاقات الدولية وعلاقة دول الناتو أمريكا مع اوروبا وكندا.
ولم يعد الامن القومي الامريكي مربوطا بالناتو، ولا يخرج من وحي استراتيجيات الناتو، كما أن الناتو لم يعد قادرا على تعريف نفسه بحروب امريكا.
في حرب ايران، امريكا حاربت وحدها ودون دول الناتو، وخارج اطار الحلف، ودول الناتو رفضت الانخراط في الحرب، وقرار الحرب لم يخرج من غرف الناتو ولا اطارها السياسي والعسكري.
وفي مفاوضات جنيف، امريكا فاوضت وحدها، ولم يكن حلف الناتو شريكا ولا طرفا، ولا حتى قيد المشاورة.
امريكا فاوضت إيران على ملفات استراتيجية، ومنها الملف النووي ومضيق هرمز، وكلاهما من صلب الامن القومي الغربي والاوروبي تحديدا.
عندما احتاجت امريكا دول الناتو وأشد لحظات الحرب قسوة رفضوا الانخراط في الحرب، وقالوا: إنها حرب لا تعنيهم وليست حربهم.
واسبانيا وايطاليا وبريطانيا منعت امريكا من استخدام اجوائها ومطاراتها وقواعدها العسكرية.
الناتو منخرط في حرب اوكرانيا، وامريكا تعتبرها استراتيجيا ليست حرب اولوية، وفيما دول اوروبا تنظر الى حرب اوكرانية بانها وجودية، امريكا تعتبرها ملف تفاوض مع روسيا كورقة في معرض إعاة بناء علاقات جديدة امريكية روسية.
في القمة المنعقدة للناتو في انقرة، ما لا يقبل التجاوز والوقوف عنده دون قراءة استراتييجة وسياسية. كيف ظهر الرئيس الامريكي ترامب والتركي اردوغان.
وتركيا تبدو أنها عنوان للمرحلة القادمة. وفرص الشراكة بين واشنطن وانقرة قد تكون معنية في تثبيت وقف اطلاق النار الامريكي مع ايران.
وتعرض تركيا كقوة اقليمية، وتعرف أن امريكا تبحث عن شركاء وحلفاء لليوم التالي في حربها مع ايران.
فمن هو شريك امريكا الاول في الشرق الاوسط، تركيا ام اسرائيل؟ هذا السؤال الذي يجعل نتنياهو أكثر اهتماما في متابعة ما يجري في قمة الناتو في انقرة.
نتنياهو بعث رسالة الى ترامب، من وقف معكم في حرب إيران، تركيا ام اسرائيل؟ الجواب يحسمه القرار الامريكي، اذا كانت واشنطن تريد العودة الى الحرب، وطبعا تكون اسرائيل حليفها، أم ان كان ترامب يريد تثبيت وقف اطلاق النار، والبحث عن علاقات أقل تصادما مع ايران وروسيا، فان تركيا هي الشريك والحليف ولا يمكن تجاهله.
قمة الناتو وصعود تركيا، وأكثر ما هو مهم في تفكك عقيدة الناتو الاستراتيجية، وان الحلف خسر روحه الغربية، وخسر وحدته، وخسر مقولة: إن الغرب وحدة مركزية.
اوروبا خائفة من روسيا، وامريكا تريد الخروج من الحروب البعيدة، وتركيا تبني جسورا بين واشنطن وموسكو وطهران، ولكي تثبت ترسيم خطوط ما بعد الحرب، واما اسرائيل، فانها تريد جر وسحب امريكا الى نقطة اللانهائية في حروبها بالاقليم.