اسماعيل الشريف : اغضب، شارك وادفع لهم المال
«الفيفا»..
من يعتقد أن كرة القدم بعيدة عن السياسة لا يفهم كيف يُدار هذا العالم - بلاتر، رئيس الفيفا السابق.
في أواخر عام 2013، شهدت العاصمة الأوكرانية كييف احتجاجات واسعة عُرفت باسم احتجاجات الميدان الأوروبي، وذلك عقب تراجع الرئيس الأوكراني آنذاك، فيكتور يانوكوفيتش، عن توقيع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، مفضّلًا التوجّه نحو تعزيز العلاقات مع روسيا. وقد تحوّلت تلك الاحتجاجات إلى مواجهات دامية أسفرت عن سقوط قتلى، وانتهت بمغادرة الرئيس البلاد وتشكيل سلطة جديدة من قبل البرلمان. وسرعان ما أعلنت الحكومة الجديدة توجّهها نحو التقارب مع الغرب، والسعي إلى الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي. كما عانت مقاطعة دونباس الناطقة بالروسية من القصف والحصار، في ظل محاولات من كييف لتقليص الحضور الروسي عبر تهميش اللغة الروسية في التعليم والإعلام، وحظر بعض هياكل الكنيسة الأرثوذكسية.
حذّرت روسيا مرارًا من تمدّد حلف الناتو إلى حدودها، معتبرةً ذلك خطًا أحمر يمسّ أمنها القومي بصورة مباشرة. وفي ظل هذا التصعيد، أقدمت روسيا على مهاجمة أوكرانيا، لتندلع الحرب بين الطرفين. وبسرعة لافتة، تحرّكت الفيفا واليويفا «الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، لمعاقبة روسيا»؛ فخلال أيام أُقصيت الفرق والمنتخبات الروسية من جميع المسابقات الأوروبية والدولية.
والآن، إذا أسقطنا ما جرى مع روسيا على الكيان الصهيوني، وجدنا أنفسنا أمام مفارقة صارخة؛ فهذا الكيان، الذي ارتكب واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في العصر الحديث، لم يستثنِ من عدوانه شيئًا، حتى لاعبي كرة القدم والملاعب والأكاديميات الرياضية. وقد صنّفته معظم المنظمات الشعبية بوصفه دولة فصل عنصري، ومع ذلك لا تزال فرقه تشارك في مختلف المحافل الرياضية. أما المؤسسات ذاتها التي سارعت إلى معاقبة روسيا، فتلوذ بالصمت أمام جرائم الكيان، متذرّعة بشعار فصل السياسة عن الرياضة.
ومن المفارقات الصارخة أيضًا أن الفيفا أقدم على خطوة استثنائية بمنح رئيس الولايات المتحدة، ترامب، النسخة الافتتاحية من جائزة السلام قبل قرعة كأس العالم. وقد استُحدثت هذه الجائزة الغريبة هذا العام على يد رئيس الفيفا، جياني إنفانتينو، في أعقاب غضب ترامب من عدم حصوله على جائزة نوبل للسلام. غير أن المفارقة الأشد قسوة تكمن في أن الجائزة، التي يُفترض أن تُمنح لمن قام بـ»أعمال استثنائية وغير عادية من أجل السلام» و»وحّد الناس حول العالم»، ذهبت إلى رئيس كانت بلاده تخوض حربًا مع إيران، وسبق لها أن دعمت الكيان الصهيوني في حرب إبادة في غزة، كما قامت قبل ذلك باختطاف رئيس فنزويلا ونقله جوًا إلى المحاكمة في نيويورك. وإلى جانب ذلك، صدرت عنها تهديدات علنية بضم غرينلاند، وفُرض حصار خانق على كوبا، ووُجّهت تحذيرات إلى كولومبيا، فضلًا عن المشاهد الموثقة لحالات الاعتقال داخل سجون المهاجرين، وفصل أبناء المهاجرين عن أهلهم. وهكذا تتحوّل جائزة تحمل اسم السلام إلى شاهد جديد على عمق التناقض بين الشعارات المعلنة والواقع السياسي.
إذن، فإن المسألة تتجاوز بكثير فكرة ازدواجية المعايير؛ فهي تكشف عن منظمات غربية تحوّلت إلى أدوات تنفّذ سياسات الغرب وتخدم مصالحه. فعندما يكون الغرب طرفًا في المشهد، يُرفع شعار فصل السياسة عن الرياضة، أما عندما يتعلّق الأمر بالفلسطينيين وسائر المظلومين، فإن المبدأ ذاته يتحوّل فجأة إلى «مسألة معقّدة» تستدعي الصمت والتبرير. إنهم يتضامنون مع الضحايا البيض، ويديرون وجوههم عن الآخرين حين يكونون تحت القصف والظلم. وحين تُحظر روسيا بينما يُحمى الكيان، نكون أمام حقيقة لا لبس فيها: الإمبراطورية لا تفصل السياسة عن الرياضة، بل تُسيّس كل شيء، حتى كرة القدم.
ــ الدستور