د. نوال محمد نصير : البترا... من قلب الأردن إلى ذاكرة العالم
ليست البترا مجرد مدينة أثرية منحوتة في الصخر، بل قصة وطن، وهوية أمة، ورسالة حضارية تجاوزت حدود المكان والزمان. فمنذ أن اختارها العالم في السابع من تموز عام 2007 لتكون إحدى عجائب الدنيا السبع الجديدة، أصبحت البترا سفيرةً للأردن في مختلف أنحاء العالم، وعنواناً للإبداع الإنساني الذي تحدى الطبيعة وصنع من الصخور تحفةً خالدة.
ويأتي السابع من تموز هذا العام ليجدد في وجدان الأردنيين الاعتزاز بهذا الإنجاز العالمي، ويؤكد أن البترا لم تكن يوماً مجرد مقصد سياحي، بل كانت رمزاً وطنياً يجمع الأردنيين حول قصة نجاح صنعتها الحضارة النبطية، وحافظ عليها الأردن بقيادته ومؤسساته وأبنائه.
لقد استطاعت البترا أن تحجز مكانتها بين أهم المواقع التراثية في العالم، ليس لجمالها المعماري فحسب، وإنما لما تمثله من قيمة حضارية وإنسانية تعكس قدرة الإنسان على الابتكار والتخطيط والهندسة في واحدة من أكثر البيئات تحدياً. فكل زاوية فيها تحكي قصة، وكل نقش يحمل رسالة، وكل ممر يروي فصلاً من تاريخ أمة ازدهرت في قلب الصحراء.
وخلال السنوات الماضية، أصبحت البترا ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، وأسهمت في دعم قطاع السياحة، ووفرت آلاف فرص العمل لأبناء المجتمع المحلي، وأسهمت في تنشيط قطاعات النقل والفنادق والمطاعم والحرف التقليدية. وهذا يؤكد أن الاستثمار في التراث ليس حفاظاً على الماضي فقط، بل استثمار حقيقي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وأؤمن أن البترا ليست مجرد إرث تاريخي نفخر به، بل مدرسة في الإدارة والتخطيط والاستدامة. فالحفاظ على هذا الكنز العالمي يتطلب عملاً مؤسسياً متواصلاً، ورؤية استراتيجية توازن بين حماية الموقع الأثري وتعزيز التنمية السياحية والاقتصادية. إن نجاح البترا لا يقاس بعدد الزوار فقط، بل بقدرتنا على إدارة هذا الإرث بكفاءة، وتوظيفه لبناء مستقبل يعتز بماضيه ويستثمر في الإنسان، لأن الأوطان التي تحسن إدارة تاريخها، هي الأقدر على صناعة مستقبلها.
ومن منظور إداري، فإن نجاح البترا لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة التخطيط المستمر، وتطوير البنية التحتية، وإدارة المواقع الأثرية وفق معايير عالمية، والتعاون بين مختلف المؤسسات الوطنية للحفاظ على هذا الإرث الإنساني. كما أن تعزيز التحول الرقمي، وتحسين تجربة الزائر، والحفاظ على البيئة الأثرية، أصبحت جميعها عناصر رئيسية في استدامة هذا النجاح.
ولا يمكن الحديث عن البترا دون الإشادة بأبناء المجتمع المحلي الذين كانوا وما زالوا شركاء حقيقيين في حماية هذا الكنز العالمي، إلى جانب جهود العاملين في قطاع السياحة، والمرشدين، والباحثين، وكل من ساهم في إبقاء البترا حاضرة في وجدان العالم رغم ما واجهه القطاع السياحي من تحديات خلال السنوات الماضية.
إن الحفاظ على البترا مسؤولية وطنية لا تقتصر على المؤسسات الرسمية، بل تمتد إلى كل مواطن يؤمن بأن التراث هو جزء من هوية الوطن. فالأمم التي تصون تاريخها، هي الأقدر على صناعة مستقبلها، والإنسان الذي يعرف قيمة إرثه الحضاري، يزداد انتماءً لوطنه وثقةً بقدرته على البناء والإنجاز.
ستبقى البترا أكثر من معلم أثري، وستظل رسالة حضارية تؤكد أن الأردن كان وسيبقى أرض الحضارات، وموطناً للإبداع الإنساني. ومع كل عام يمر على اختيارها إحدى عجائب الدنيا السبع الجديدة، يتجدد الفخر الوطني، ويتجدد العهد بأن تبقى هذه المدينة الوردية منارةً للعالم، ورمزاً خالداً لوطن يستحق أن يروي للعالم أجمل قصص الحضارة والإنسان