اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. ميشلين نويصر : هل أصبح المال الحاكم الحقيقي؟

د. ميشلين نويصر : هل أصبح المال الحاكم الحقيقي؟
أخبارنا :  

لم يعد السؤال اليوم: كم نملك من المال؟ بل أصبح السؤال الأهم: إلى أي حد أصبح المال يملكنا؟

 

نعيش في زمن تبدلت فيه موازين كثيرة، حتى بدا وكأن قيمة الإنسان تُقاس بما يملكه لا بما يقدمه، وبما ينفقه لا بما يؤمن به. لم يعد المال مجرد وسيلة لتيسير الحياة، بل أصبح حاضرًا في كل قرار، من أبسط تفاصيل الأسرة إلى أكبر السياسات الاقتصادية والدولية. ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل ما زال الإنسان يقود الاقتصاد، أم أن الاقتصاد أصبح يقود الإنسان؟

لا أحد ينكر أن المال ضرورة، وأن الاقتصاد القوي هو ركيزة أساسية لاستقرار الدول وازدهارها. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول المال من وسيلة إلى غاية، ومن خادم للإنسان إلى سيدٍ عليه. عندها تتبدل الأولويات بصمت، ويصبح الربح أهم من الضمير، والمصلحة أقوى من العدالة، وتغدو الأرقام أكثر حضورًا من البشر.

يكفي أن نتأمل واقعنا اليوم. أسرة تعمل ليلًا ونهارًا، لكنها تعجز عن مواكبة ارتفاع الأسعار. وشاب يحمل شهادات علمية، لكنه لا يجد فرصة عمل تضمن له حياة كريمة. ومتقاعد أفنى عمره في خدمة وطنه، ثم يقف حائرًا أمام فاتورة دواء أو كلفة معيشة هذه ليست مجرد قصص فردية، بل مؤشرات على أن الاقتصاد لا يُقاس بنمو الأرقام وحدها، بل بقدرته على صون كرامة الإنسان وتحسين جودة حياته.

وفي المقابل، تتصدر الأخبار مؤشرات الأسواق، وأسعار العملات، وأرباح الشركات، بينما تتراجع قضايا الإنسان إلى الصفحات الأخيرة. وكأن نجاح الاقتصاد أصبح يُقاس بما تحققه المؤسسات من أرباح، لا بما يشعر به المواطن من أمن وطمأنينة وعدالة.

ولعل السؤال الأهم ليس كيف نجمع المال، بل كيف نجعل المال في خدمة الإنسان لا الإنسان في خدمته. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بارتفاع الناتج الاقتصادي أو تضاعف الأرباح فحسب، بل بقدرة المجتمع على توفير فرص العمل، وتحقيق العدالة، وضمان التعليم والرعاية الصحية، ومنح كل فرد فرصة ليعيش بكرامة. وعندما يكون الإنسان هو محور التنمية، يصبح المال وسيلة لبناء المستقبل، لا غاية تبرر كل شيء.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يعتاد هذا المشهد، وأن يقبل بفكرة أن لكل شيء ثمنًا، وأن المال قادر على شراء النفوذ والفرص، بل وحتى التأثير في بعض المبادئ. وعندما تتحول القيم إلى سلعة، يفقد المجتمع جزءًا من بوصلته الأخلاقية، مهما بلغت قوته الاقتصادية

المال سيبقى ضرورة لا غنى عنها، لكنه لا يستطيع أن يشتري الضمير، ولا أن يصنع المحبة، ولا أن يمنح الإنسان كرامته فالأمم لا تنهض بالثروة وحدها، بل بالعدل، والعلم، والعمل، واحترام الإنسان. أما الاقتصاد الذي ينسى الإنسان، فإنه مهما بدا قويًا في الأرقام، يحمل في داخله بذور ضعفه.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه قبل أن يطرحه على الآخرين: هل ما زلنا نستخدم المال لخدمة حياتنا، أم أننا أصبحنا نعيش حياتنا كلها في خدمة المال؟


مواضيع قد تهمك