د. عبدالله محمد القضاة : تصريحات نتنياهو حول المساعدات الأميركية: الأبعاد والتوقيت
أثارت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة، التي عبر فيها عن رغبته في الاستغناء عن المساعدات المالية الأمريكية، واصفاً إياها بالإعانة الاجتماعية؛ موجة من التساؤلات حول الأبعاد الحقيقية لهذه الخطوة وتوقيتها. ففي ظل توترات متصاعدة بين تل أبيب وواشنطن، خاصة فيما يتعلق بالملف الإيراني، وملاحقة نتنياهو دولياً بتهم جرائم حرب، يبدو أن هذه التصريحات ليست مجرد إعلان اقتصادي، بل هي مناورة استراتيجية عميقة تهدف إلى إعادة تعريف العلاقة مع الحليف الأكبر.
إن رغبة نتنياهو في تصفير المساعدات الأمريكية، التي تبلغ 3.8 مليار دولار سنوياً، ليست وليدة اللحظة، فقد سبق أن طرحها عام 1996. لكن توقيتها الحالي؛ في خضم مواجهة إقليمية مباشرة مع إيران منذ فبراير الماضي؛ يمنحها دلالات أعمق. فالمساعدات العسكرية الأمريكية لطالما كانت بمثابة قيد ناعم، تمنح واشنطن نفوذاً على القرار الإسرائيلي. بالتخلي عن هذا الدعم، تسعى إسرائيل إلى انتزاع حرية الحركة المطلقة، خاصة في الملفات الحساسة التي تختلف فيها رؤاها مع الإدارة الأمريكية، كالملف الإيراني.
يأتي الحديث عن اقتراب الاقتصاد الإسرائيلي من حاجز التريليون دولار ليعزز هذه الرؤية. فنتنياهو يهدف إلى تقديم إسرائيل كقوة إقليمية عظمى قادرة على تمويل أمنها بالكامل، وبالتالي التحول من علاقة التابع والداعم إلى علاقة الشريك الندي. هذا الخطاب لا يستهدف واشنطن فحسب، بل يوجه رسالة للداخل الإسرائيلي بضرورة تحمل كلفة الاستقلال مقابل امتلاك قرار الحرب والسلم دون إملاءات خارجية، ويستغل في الوقت ذاته تيار "أمريكا أولاً" داخل الولايات المتحدة.
ومع ذلك، فإن هذه الخطوة لا تخلو من مخاطر استراتيجية. فالمساعدات الأمريكية ليست مجرد أموال، بل هي مرتبطة باتفاقيات تضمن لإسرائيل التفوق العسكري النوعي في المنطقة. التخلي عنها قد يفتح الباب أمام واشنطن لإعادة النظر في هذه الالتزامات، وربما بيع أسلحة متطورة لدول أخرى. كما أن الاعتماد الكلي على الذات يتطلب تحويل موارد ضخمة نحو الصناعات العسكرية، مما قد يؤثر على قطاعات أخرى في الاقتصاد الإسرائيلي.
ختاما، يمكن قراءة تصريحات نتنياهو كهروب إلى الأمام، ومحاولة لإعادة تشكيل التحالف الأمريكي-الإسرائيلي ليصبح تحالفاً تقنياً واستخباراتياً بحتاً، متحرراً من قيود الدعم المالي. هذا التحول، إن تم؛ سيعيد رسم خارطة التوازنات الإقليمية، وقد يدفع إسرائيل نحو سياسات أكثر انفرادية، خاصة في مواجهة إيران، مما قد يزيد من تعقيدات المشهد الأمني في الشرق الأوسط.