عارف عادل مرشد : مضيق هرمز"كعب أخيل" الاتفاق الأميركي-الإيراني
أعلنت الولايات المتحدة الامريكية وإيران، في 18 حزيران/2026، التوصل إلى تسوية سياسية عبر مذكرة تفاهم مكونة من 14 بنداً بوساطة باكستانية-قطرية، بعد أكثر من ثلاثة أشهر من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 شباط/2026. وتضمنت المذكرة وقف العمليات العسكرية على كل الجبهات، بما فيها لبنان، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، والبدء في مفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، مقابل أن تقوم الولايات المتحدة برفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، ومنح إيران مجموعة من التسهيلات الاقتصادية والاعفاءات من العقوبات.
وعلى الرغم من أهمية هذه المبادئ العامة ، الا أن العامل الأهم الذي يخيم طيفه على كل هذه المبادئ هو إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية. فلماذا يُعد وضع مضيق هرمز حجر الزاوية في الاتفاق الأمريكي-الإيراني؟
تتلخص الإجابة على هذا التساؤل في ثلاث نقاط أساسية هي:
1- المكانة الاستراتيجية لمضيق هرمز: فقد اعادت الحرب التأكيد على المكانة الاستراتيجية لمضيق هرمز بوصفه أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر منه خُمس تجارة النفط العالمية، مما يعني أن إيران تمتلك القدرة على التأثير في حركة التجارة والطاقة العالمية، بما يمنحها ورقة تفاوضية مهمة في أيّ ترتيبات أمنية تخص الخليج. ويبدو واضحاً من نص مذكرة التفاهم أن إيران لا تريد التخلي عن ورقة هرمز أو الإقرار بفقدان سيادتها عليه، بل تسعى إلى تحويل نفوذها فيه إلى مصدر شرعية ومكاسب اقتصادية، سواء عبر رسوم خدمات أو ترتيبات ملاحية مشتركة مع سلطنة عُمان. وقد نصت المذكرة صراحة في البند الخامس منها على التزام ايران ببذل أفضل الجهود، لضمان المرور الآمن للسفن التجارية من دون رسوم لمدة 60 يوما فقط، من الخليج العربي- ورد أسمه في النص الإنجليزي للمذكرة بالخليج الفارسي(Persian Gulf)- إلى بحر عُمان، وبالعكس. على أن تجري إيران مباحثات مع سلطنة عُمان لتحديد ترتيبات الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، بالتشاور مع الدول المطلة على الخليج العربي، وبما يتوافق مع أحكام القانون الدولي والحقوق السيادية للدول المشاطئة للمضيق.
ومما يزيد من المكانة الاستراتيجية للمضيق أيضاً هو حجم الاعتماد العالمي على البنية الرقمية التي تمر عبر محيطه. فهو جزء من بنية تحتية رقمية بواسطة كابلات بحرية تربط دول الخليج العربي وجنوب آسيا بالشبكات العالمية، مما يجعل أي تصعيد مُحتمل يهدد تدفقات البيانات والاتصالات، في عالم يعتمد على الحوسبة السحابية، مما قد يؤدي إلى آثار تتجاوز حدود الأقليم.
2- القيمة الردعية للمضيق و سياسة حافة الهاوية: لن تستطيع إيران أن تستخدم مضيق هرمز كأداة لكسب الدخل، وفي نفس الوقت أن تستخدمه كضمانة أمنية. فمن المرجح أنها لن تستطيع الجمع بين الأمرين. سوف تعتمد القيمة الردعية للمضيق بالكامل على مصداقية تهديد إيران بإغلاقه. فمكسب طهران في ميزان الردع يتأتى من أن مجرد ارتفاع إدراك المخاطر يرفع أقساط التأمين على الحرب في الأسواق عالمياً، ويدفع الناقلات إلى مساراتٍ أطول، ويقفز بأجور الشحن، فتنتقل كلفة التوتر إلى الاقتصاد العالمي. وكلما طالت فترة الغموض الأمني، كلما ازداد العبء على الاقتصادات المستوردة والمُوردة، وكان مكسباً لطهران في ميزان الردع. هذا بالإضافة إلى أن بقاء ورقة هرمز بيد طهران، يبقي أي توتّر في لبنان أو في الملف النووي قابلاً للتحول إلى أزمة طاقة عالمية بشكل فوري، فالربط بين التوتر المحلي والأزمة العالمية في قضية مضيق هرمز يسير في خط واحد.
3- محاولة إيران فرض هيمنتها السياسية على مضيق هرمز: لن تتخلى إيران عن سيطرتها الجديدة على مضيق هرمز من دون مقابل. وفي هذا الإطار، أنشأت في أيار/ 2026 هيئة جديدة تُسمى"هيئة مضيق الخليج الفارسي" (PGSA) لفحص السفن ومنح تصاريح العبور وجباية الرسوم. وقد أقترحت إيران أن تُدار هذه الهيمنة بشكل مشترك مع عُمان التي تطل أيضاً على المضيق. وفي هذه العملية، أعلنت إيران من جانب واحد سيطرتها على منطقة بحرية موسعة بشكل كبير تتعدى المياه الإقليمية العُمانية والإماراتية، والزمت جميع السفن بالحصول على أذن مسبق للمرور عبر المضيق، وأشارت إلى أن السفن العسكرية غير الصديقة ليست موضع ترحيب للعبور. كما أعربت إيران بشكل متكرر عن اهتمام قوي بفكرة تحويل المضيق إلى مصدر للايرادات. ولم تكن أي من هذه الشروط قائمة قبل بدء الحرب. ويقابل هذه العقيدة الإيرانية عقيدة أمريكية تعامل المضيق مشاعاً ملاحياً تحرسه القوة الأمريكية.
وبصورة أوسع، وحتى إذا انضمت سلطنة عُمان إلى هذه الهيئة، وحتى إذا وافقت الولايات المتحدة في نهاية المطاف على نظام رسوم، فإن أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم قد يتحول فعليّاً إلى ممر لا يمكن أن تستخدمه إلا شبكة إيران من السفن غير النظامية، المعروفة باسم " أسطول الظل" بالإضافة إلى السفن القادرة على تفادي العقوبات الأمريكية والأوروبية. وهي نتيجة غير مقبولة بالنسبة لدول الخليج، وكذلك بالنسبة لمعظم دول آسيا وأوروبا.
خلاصة القول، أنه اذا لم يتم تثبيت التفاهم المتعلق بمضيق هرمز، فإن القتال قد يُستأنف بسهولة. وسوف يخلق الفشل في إعادة هذا الممر المائي الدولي إلى وضعه السابق غير المقيد قبل الحرب وضعاً غير قابل للاستدامة.