اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

محمد مطلب المجالي : حين يتحوّل الصوت إلى بديلٍ عن الفعل… المسيرات بين الاستعراض وإهدار الجهد

محمد مطلب المجالي : حين يتحوّل الصوت إلى بديلٍ عن الفعل… المسيرات بين الاستعراض وإهدار الجهد
أخبارنا :  

المسيرات والمهرجانات والخطابات كثيرٌ منها اليوم لا يُنتج موقفًا بقدر ما يُنتج حضورًا إعلاميًا ولا يُحدث أثرًا بقدر ما يُراكم صورًا تُلتقط وتُنشر وتُنسى بين لافتات تُرفع وهتافات تُكرر وكلمات تُلقى من على منصات عالية تضيع البوصلة أحيانًا عن جوهر القضية ماذا تغيّر على الأرض ومن استفاد فعلًا


لقد تحوّل بعض هذا الحراك إلى مشهد استعراضي أكثر منه فعلًا إنسانيًا أو سياسيًا مؤثرًا تُنفق فيه الجهود وتُستنزف فيه الطاقات ثم ينتهي غالبًا إلى أرشيف الصور وبيانات الإدانة دون أن ينعكس ذلك على جائع يملأ معدته أو مشرّد يجد مأوى أو مريض ينتظر دواء لا يصل


المؤسف أن بعض الجهات والتوجهات باتت توظّف هذه الفعاليات لتسجيل مواقف جاهزة وكأن الغاية ليست نصرة قضية بقدر ما هي صناعة حضور إعلامي ليُقال وقد قيل لا ليُنجز وقد أُنجز وهكذا تتحول القضايا الكبرى إلى منصات تنافس على الخطابة بدل أن تكون ساحات عمل صامت ومثمر


أي قيمة حقيقية لخطاب حماسي إذا لم يُترجم إلى شاحنة غذاء تصل إلى الجائع أو شحنة دواء تعبر الحواجز إلى المريض أو مبادرة إغاثية تنقذ أسرة من العراء وأي معنى لهتاف يملأ الساحات إذا كان لا يملأ فراغ بيت خالٍ من الطعام أو الدفء


ليست المشكلة في التعبير عن الموقف فالكلمة حق والصوت أحيانًا ضرورة لكن الإشكال حين يصبح الصوت بديلًا عن الفعل وحين تتحول المسيرات إلى غاية لا وسيلة وإلى استعراض لا مسؤولية


وما يزيد الأمر إشكالًا أن بعض هذه الفعاليات بات يحمّل الأجهزة الأمنية أعباء إضافية وإرهاقًا في المتابعة والتنظيم والحماية في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى التفرغ لمهامها الأساسية في حفظ الأمن وخدمة المجتمع فتُستنزف الجهود في مشاهد يمكن أن تكون أقل كلفة وأكثر وعيًا وتنظيمًا لو توفرت لها الحكمة في التقدير والمسؤولية في القرار


في زمن الأزمات الحقيقية تُقاس المواقف بميزان الفعل لا بما يُقال هناك من يعمل بصمت في الميدان يُدخل الدواء بلا كاميرات ويُمرّر المساعدات بلا خطابات وهؤلاء وحدهم من يتركون أثرًا لا يُمحى


إن الشعوب لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى مبادرات صادقة تُترجم الألم إلى فعل والغضب إلى إغاثة والتضامن إلى إنقاذ حقيقي أما ما لا يطعم جائعًا ولا يداوي جريحًا وما يستنزف الوقت والجهد دون أثر فسيبقى مهما علا مجرد مشهد عابر يختفي مع أول سكون.

محمد مطلب المجالي.





مواضيع قد تهمك