تطويق أزمة الكلاب الضالة في إربد.. كيف نتحول إلى حلول المواجهة الشاملة؟
أحمد التميمي
إربد - لم تعد ظاهرة انتشار الكلاب الضالة في محافظة إربد مجرد مشاهد عابرة في الأزقة، أو مصدر إزعاج يؤرق نوم السكان في ساعات الليل، بل تحولت رسميا إلى خطر داهم يستهدف أرواح المواطنين، وفي مقدمتهم الأطفال.
الأرقام الرسمية صدمت الشارع المحلي، إذ سجلت مديرية صحة محافظة إربد 1003 حالات عقر منذ بداية العام الحالي وحتى نهاية شهر تموز/يوليو، ما أعاد إلى الواجهة ملف السلامة العامة وضرورة إيجاد حل جذري للمشكلة، وسط مخاوف متزايدة في مختلف مناطق المحافظة.
مخاوف متزايدة
مخاطر انتشار الكلاب الضالة لا تقتصر على حدود الأذى الجسدي الناجم عن العقر أو الخدش، بل بات الخوف والهلع يشكلان تهديدا أكثر ضررا بحياة المواطنين والأطفال، إذ إن حالة الذعر المفاجئة التي تصيب الطفل عند مواجهة مجموعة من الكلاب تفقده القدرة على التفكير المتزن، وتدفعه في لحظات خاطفة إلى اتخاذ قرارات فرار عشوائية وغير محسوبة.
هذا السلوك الاضطراري يلقي بالأطفال غالبا في أحضان أخطار أشد قسوة، كالاندفاع المفاجئ نحو الشوارع المكتظة بالمركبات أو السقوط من مرتفعات، وهي حوادث قد تنتهي بفواجع مميتة لا تترك مجالا للإسعاف، وهو ما جسدته الكثير من حالات العقر، خصوصا بين الأطفال.
ووفق المواطن تحسين غرايبة، فإن تزايد حالات العقر أعاد فتح ملف الكلاب الضالة بصورة أكثر إلحاحا، ويطرح تساؤلات حول حجم الخطر الذي باتت تشكله هذه الحيوانات على الأطفال والمشاة داخل الأحياء السكنية، مشيرا إلى أن انتشار الكلاب الضالة أصبح مشكلة تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين، خصوصا في الأحياء السكنية والمناطق التي تشهد حركة مستمرة للأطفال.
ويضيف أن الأهالي باتوا يشعرون بالقلق من وجود مجموعات من الكلاب بالقرب من المنازل والطرقات، الأمر الذي يتطلب معالجة جدية ومستدامة للظاهرة، مشيرا إلى أن حوادث عقر الأطفال تثبت أن مشكلة الكلاب الضالة ليست مجرد شكاوى متفرقة، وإنما خطر حقيقي يمكن أن يطال أي أسرة وفي أي وقت، لأنها باتت تعيش حالة من القلق كلما خرج الأطفال من المنزل، خصوصا في المناطق التي تنتشر فيها الكلاب.
ويبين غرايبة أن مخاطر الكلاب الضالة لا ترتبط بالعقر والهجوم المباشر فحسب، وإنما بما تسببه من حالة خوف وهروب قد تقود إلى حوادث مميتة، منوها إلى أن الخطر الذي تسببه حالة الخوف والذعر قد يتسبب في مخاطر أكثر بكثير من حالة العقر نفسها، مشددا على أن الحادثة تستدعي الوقوف بجدية أمام انتشار الكلاب الضالة في المناطق السكنية، خصوصا في الأماكن التي يتحرك فيها الأطفال، ومحذرا من أن تكرار وجود الكلاب بالقرب من الشوارع قد يؤدي إلى حوادث دهس، سواء نتيجة محاولات الهرب أو فقدان السيطرة أثناء قيادة المركبات.
ويطالب الجهات المعنية بتكثيف الإجراءات للحد من انتشار الكلاب الضالة، وتحديد أماكن تجمعها، ومعالجة أسباب وجودها بالقرب من المناطق السكنية والطرق، إلى جانب تعزيز إجراءات السلامة المرورية في الموقع، بما يسهم في حماية الأطفال والمشاة ومنع تكرار مثل هذه المأساة.
وبحسب مواطنين، فإن أثر هذا الهلع يتجاوز على المدى البعيد حدود اللحظة العابرة، ليتحول إلى تراكمات نفسية وسلوكية تعكر صفو السلم المجتمعي وتربك الحياة اليومية للأسر، موضحين أن فكرة خروج الطفل إلى المدرسة أو اللعب في محيط المنزل باتت مصحوبة بحالة استنفار وتوتر دائمين، ما يزرع لدى الصغار عقدة الخوف من الشارع والأماكن العامة.
ويبينون أن استمرار هذه البيئة المشحونة بالرعب يجرد الأحياء السكنية من حالة الأمان المفترضة، ويثبت أن الخطر النفسي والتبعات المترتبة على الهلع لا تقل خطورة، بحال من الأحوال، عن الإصابات الجسدية المباشرة، بل تزيد عليها بأنها تطال الجميع دون استثناء.
مطالبات بإجراءات فاعلة
وبينما تكشف أرقام العقر عن جانب مباشر من المشكلة، تكشف حادثة الطفل في حوارة عن جانب آخر لا يقل خطورة، يتمثل في الخوف من الكلاب ومحاولات الهرب منها وما قد يترتب عليها من حوادث، ما يجعل الظاهرة قضية تتجاوز حدود الإصابات الجسدية إلى تهديد سلامة المواطنين في الطرقات والأحياء والمدارس والأماكن العامة.
ويطالب المواطنون الجهات المعنية بتكثيف الإجراءات للحد من انتشار الكلاب الضالة، إلى جانب تحسين واقع الشارع وتعزيز إجراءات السلامة المرورية، مؤكدين ضرورة اتخاذ خطوات عاجلة لمنع تكرار مثل هذه الحوادث المؤلمة.
وتعيد أرقام العقر المسجلة في المحافظة ملف الكلاب الضالة إلى الواجهة، خصوصا أن 1003 حالات عقر خلال الفترة الممتدة من بداية العام وحتى بداية تموز تعني أن مئات المواطنين اضطروا إلى مراجعة الجهات الصحية والحصول على الإجراءات الوقائية اللازمة نتيجة تعرضهم للعقر، فيما اكتفى العشرات ممن عقرتهم الكلاب بالعلاج داخل المنزل دون مراجعة المستشفى.
ويرى مواطنون أن تسجيل أكثر من ألف حالة عقر خلال فترة قصيرة يستدعي التعامل مع الظاهرة باعتبارها قضية تتعلق بالسلامة العامة والصحة المجتمعية، وليس مجرد مشكلة بيئية يمكن التعامل معها بحملات مؤقتة، مشيرين إلى أن آثار الظاهرة لا تقتصر على الإصابة الجسدية المباشرة، إذ يعيش الأهالي حالة من القلق عند رؤية مجموعات من الكلاب في محيط منازلهم أو بالقرب من المدارس والحدائق والشوارع، فيما تزداد المخاوف عندما يتعلق الأمر بالأطفال الذين قد لا يمتلكون القدرة الكافية على التعامل مع الكلاب أو الهروب منها بطريقة آمنة.
ويروي المواطن علي التميمي تجربة مؤلمة عاشتها أسرته بعد تعرض ابنه لهجوم من أحد الكلاب، مؤكدا أن الحادثة لم تكن مجرد موقف عابر، بل تحولت إلى إصابة مؤلمة تركت آثارا واضحة على جسده، بعدما تسبب العقر في قطع جزء من الإصابة، إلى جانب تعرضه لجروح مختلفة في مناطق من جسمه.
ويقول التميمي: إن لحظة تعرض ابنه للهجوم كانت صعبة للغاية على الأسرة، خصوصا أن الحادث وقع بصورة مفاجئة، ولم يكن أمام الطفل الوقت الكافي للتصرف أو الابتعاد عن الحيوان، الأمر الذي تسبب في حالة من الخوف والهلع داخل الأسرة، إلى جانب الألم الناتج عن الإصابات والجروح التي تعرض لها، مشيرا إلى أن الحادثة جعلته يدرك أن مشكلة الكلاب الضالة ليست مجرد شكاوى متفرقة، وإنما خطر حقيقي يمكن أن يطال أي أسرة وفي أي وقت.
ويقول: "تبرز خطورة الظاهرة بصورة أكبر عندما يكون الأطفال هم الضحايا، إذ إن طبيعة أجسادهم وقدرتهم المحدودة على الدفاع عن أنفسهم تجعلهم أكثر عرضة للإصابات في حال تعرضهم لهجوم من مجموعة من الكلاب أو كلب عدواني"، موضحا أن الأسرة أصبحت تعيش حالة من القلق كلما خرج الأطفال من المنزل، خصوصا في المناطق التي تنتشر فيها الكلاب. ويطالب التميمي الجهات المختصة بعدم انتظار وقوع حوادث جديدة للتحرك، وإنما وضع خطة واضحة لمعالجة المشكلة، مؤكدا أن تسجيل 1003 حالات عقر في المحافظة منذ بداية العام وحتى نهاية تموز، وفق الأرقام المتداولة، يستدعي الوقوف أمامها بجدية.
ويرى أن العديد من حوادث العقر تظهر أن الخطر قد يكون غير مباشر أيضا، عندما يدفع الخوف من الكلاب طفلا إلى الهروب باتجاه شارع مكتظ بالمركبات، مؤكدا أن خلف كل رقم في إحصائية حالات العقر مواطنا وأسرة عاشوا الخوف والقلق والألم، ما يستدعي العمل بجد لحماية الأطفال والسكان واتخاذ إجراءات عملية للحد من انتشار الكلاب الضالة. ويؤكد المواطن سعيد جرادات أن انتشار الكلاب الضالة أصبح من المشكلات التي تؤرق المواطنين في عدد من مناطق المحافظة، لافتا إلى أن الأهالي باتوا يلاحظون تجمعات للكلاب، خصوصا في المناطق التي توجد فيها حاويات النفايات أو بقايا الأطعمة.
ويقول: إن وجود مصادر غذاء مكشوفة يوفر للكلاب بيئة مناسبة للبقاء والتجمع والتكاثر، الأمر الذي يجعل التعامل مع المشكلة من خلال مطاردة الكلاب في الشوارع فقط غير كافٍ، في ظل استمرار الأسباب التي تدفعها إلى العودة إلى المواقع نفسها، منوها إلى أن المشكلة تصبح أكثر خطورة خلال ساعات الليل والصباح الباكر، عندما تكون الشوارع أقل ازدحاما، إذ تتحرك مجموعات من الكلاب في بعض المناطق، ما يثير الخوف لدى المواطنين الذين يضطرون إلى السير لمسافات قصيرة أو استخدام مركباتهم لتجنب الاقتراب منها.
ويطالب جرادات بمعالجة أسباب المشكلة من جذورها، وعدم الاكتفاء بالتعامل مع الكلاب الموجودة في الشوارع بصورة مؤقتة، خصوصا أن الأطفال هم الفئة الأكثر عرضة للخطر، مطالبا بتكثيف الإجراءات بالقرب من المدارس والأحياء السكنية والأماكن التي تشهد تجمعات كبيرة للسكان، وأماكن انتشار النفايات وبقايا الطعام التي تشكل عامل جذب للكلاب.
ويرى المواطن معاذ مقدادي أن ظاهرة الكلاب الضالة أصبحت هاجسا لدى كثير من الأسر، خصوصا تلك التي لديها أطفال، مبينا أن الأهالي يشعرون بالقلق عند ذهاب أبنائهم إلى المدارس أو عودتهم منها، أو أثناء لعبهم في الأحياء والشوارع القريبة من منازلهم.
ويشدد على أن الحل يتطلب تعاون البلدية والجهات الصحية والبيطرية والمواطنين، إلى جانب وضع برنامج مستمر لرصد أماكن انتشار الكلاب والتعامل معها بأساليب علمية وإنسانية تضمن سلامة السكان، مشيرا إلى أن الخطر لا يقتصر على حالات العقر فقط، وإنما يمتد إلى حالة الخوف التي يعيشها المواطنون عند مواجهة مجموعة من الكلاب، فضلا عن احتمال وقوع حوادث نتيجة محاولة الهروب منها.
ويؤكد أن تزايد حالات العقر مؤشر يستوجب دراسة أسباب ارتفاع الحالات وتحديد المناطق التي تسجل النسبة الأكبر منها، حتى تتمكن الجهات المعنية من توجيه جهودها إليها، مطالبا بإطلاق حملة توعية للمواطنين، وخاصة الأطفال، حول كيفية التصرف عند مواجهة الكلاب، وعدم الاقتراب منها أو استفزازها، بالتزامن مع معالجة مصادر تجمعها، خصوصا النفايات وبقايا الأطعمة، لافتا إلى أن المواطن يريد حلولا عملية ومستدامة تحمي السكان، وفي الوقت نفسه تعتمد أساليب علمية في التعامل مع الحيوانات، بعيدا عن الحلول المؤقتة التي لا تمنع عودة المشكلة إلى الظهور.
سلامة عامة لا تحتمل الانتظار
يؤكد عدد من السكان أن ملف الكلاب الضالة تحول إلى قضية سلامة عامة وصحة مجتمعية تتطلب حراكا وطنيا عاجلا، إذ إن حق المواطن والطفل في شارع آمن، والالتزام بالمعايير الإنسانية للتعامل مع الحيوان، باتا مطلبين ملحّين في ظل كابوس يتكرر يوميا على أطراف الأحياء والمدارس.
من جانبه، يؤكد مصدر في وزارة الصحة ضرورة التعامل مع حالات العقر أو الخدش من الحيوانات بجدية، وعدم اعتبار الإصابة بسيطة أو الاكتفاء بتنظيف الجرح في المنزل، خصوصا عندما يكون الحيوان مجهولا أو ضالا ولا يمكن معرفة وضعه الصحي، مشيرا إلى أن المصاب يجب أن يتوجه إلى أقرب مركز صحي أو مستشفى لتقييم الحالة وتحديد الإجراءات الوقائية المناسبة، إذ إن التعامل المبكر مع الإصابة يعد أمرا مهما في الوقاية من الأمراض التي يمكن أن تنتقل عن طريق الحيوانات، وعلى رأسها داء الكلب "السعار".
ويشدد المصدر على أهمية غسل مكان الإصابة جيدا بالماء والصابون والتوجه إلى المنشأة الصحية في أسرع وقت ممكن، وعدم الانتظار حتى ظهور أعراض مرضية، مؤكدا أهمية رفع مستوى الوعي لدى المواطنين، وخصوصا الأطفال، حول مخاطر الاقتراب من الحيوانات الضالة أو استفزازها، وضرورة إبلاغ الجهات المختصة عند وجود تجمعات للكلاب أو حيوانات تظهر عليها سلوكيات عدوانية.
من جهته، يقول الناطق الإعلامي باسم بلدية إربد الكبرى غيث التل: إن البلدية تعاملت خلال الفترة الماضية مع مئات الكلاب الضالة الموجودة ضمن مناطق اختصاصها، وذلك وفق البروتوكول والإجراءات المعتمدة للتعامل مع هذه الحيوانات، مضيفا أن البلدية تتابع الملاحظات والشكاوى التي ترد إليها من المواطنين، وتعمل على التعامل معها ميدانيا بحسب طبيعة كل حالة وموقعها.
ويوضح أن أحد أبرز التحديات التي تواجه البلدية في الحد من الظاهرة يتمثل في قدوم الكلاب الضالة من مناطق أخرى إلى داخل حدود البلدية، الأمر الذي يجعل معالجة المشكلة بصورة نهائية أكثر صعوبة، إذ إن التعامل مع مجموعة من الكلاب في منطقة معينة لا يعني بالضرورة انتهاء المشكلة، خصوصا مع إمكانية انتقال مجموعات أخرى من المناطق المحيطة إلى المواقع التي جرى التعامل معها. ويشير التل إلى أن البلدية تبذل جهودا متواصلة للحد من أعداد الكلاب الضالة والتعامل معها وفق الإجراءات المعتمدة، إلا أن استمرار انتقالها من مناطق مجاورة يتطلب تعاونا وتنسيقا بين مختلف البلديات والجهات المعنية، بحيث لا تقتصر المعالجة على منطقة إدارية واحدة، وإنما تكون ضمن خطة شاملة تغطي المناطق التي تشهد انتشارا لهذه الحيوانات، مؤكدا أن معالجة الظاهرة تحتاج كذلك إلى الحد من مصادر الغذاء المتاحة للكلاب، وخاصة النفايات ومخلفات الطعام، باعتبارها من العوامل التي تساعد على تجمعها واستقرارها في المناطق السكنية.
وبيّن أن البلدية تواجه تحديات تتعلق بارتفاع كلفة التعامل مع الكلاب الضالة، موضحا أن كلفة إيواء الكلب الواحد، بدءا من الإمساك به ونقله إلى مأوى وتأمين الطعام وإجراء التعقيم ثم إعادة إطلاقه، قد تصل إلى نحو 100 دينار.
وينوه إلى أن هذه الكلفة تجعل التعامل مع أعداد كبيرة من الكلاب تحديا ماليا ولوجستيا كبيرا، خصوصا في ظل استمرار ظهور مجموعات جديدة في مناطق مختلفة، موضحا أن البلدية لا تتعامل مع الملف باعتباره قضية يمكن حلها بإجراء واحد، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل مختلف الجهات المعنية، لافتا إلى أن البلدية تواجه يوميا ملاحظات المواطنين حول الكلاب الموجودة في الشوارع.
ويبين أن البلدية أوقفت منذ سنوات أساليب قتل الكلاب من خلال القنص أو التسميم، بعد التعديلات المرتبطة بالتشريعات الناظمة للعمل البلدي، مشيرا إلى أن التعامل الحالي يتم وفق البروتوكولات والإجراءات المعتمدة.
ــ الغد