سهى الصبيحي : اقترب موسم التّخريج!
لا أدري، هل لمَوسمِ التّخريج نكهةٌ مختلِفة لا تشبه سواها من مواسم العام؟ أم أنّه بريقُ النّهايات التي تؤذِنُ ببداياتٍ جديدة، ولحظاتٍ إنسانيّة تتقاطع فيها الذّكرياتُ مع الأحلام، ويقفُ فيها الإنسانُ على عتبةٍ فاصلةٍ بين ما كان وما سيكون؟
كم يشدُّني موسمُ التّخريج! ربّما لِما يحمله في طيّاته من أمالٍ كبيرة وتطلّعاتٍ واسعة، وكأنّه بوّابةٌ بين عالَمَين: عالمٍ مضى حافلًا بالحكاياتِ والتّجارب والنّجاحاتِ والتّحدّيات، وعالمٍ آخر ما زالت ملامحُهُ تتشكّل، لكنّه ينبئ بالتّفاؤل والفرص.
في هذه الأيّام، لا يكون الفرحُ وليدَ لحظةِ التّخرّج وحدها، بل ثمرةَ أيّامٍ وليالٍ طويلةٍ من الجُهد والمثابرة والعطاء؛ فكلُّ شهادةٍ تُرفَع، وكلُّ اسمٍ ينادى به، يختصرُ رحلةً امتدّت لأعوامٍ من التّعلّم والاجتهاد والسّعي.
وتشعرُ وأنت تتابع مسيرة الخرّيجين وهُم يتوشّحون أثوابَ التّخرّج وكأنّك أمام حفلِ تتويجٍ لمسيرةٍ من الصّبر والإصرار والإيمان بالحُلم.
ويحملُ موسم التّخريج مساحةً واسعةً للتّأمُّل، تأمُّلِ أثرِ الماضي في صناعة الحاضر، ودَور التّجارِب التي خاضها الخرّيجون في تشكيل شخصيّاتهم ورسم ملامح مستقبلهم، وكأنّه تذكيرٌ بأنّ كلّ نجاحٍ بدأ بخطوةٍ، واستمرَّ بجهودٍ بُذِلَت بإخلاصٍ فلَم تذهب سُدًى، وأنّ لكلِّ تعبٍ ثمارَه، ولكلّ اجتهادٍ حصادًا ينتظرُ أوانَه.
وهو كذلك تأمُّلٌ في دَور ذلك المكان الذي احتضنَهم وأحلامَهم لسنواتٍ، وأسهم في تشكيل هويّتهم المهنيّة وصقل مهاراتِهم المستقبليّة، آخذًا بأيديهم خطوةً بعد أُخرى حتّى بلغوا ما سَعَوا إليه من عِلمٍ ومعرفةٍ وفكرٍ ومهارة، يستثمرونها في بناء أوطانهم وخدمة مجتمعاتهم وتأمين مستقبلهم.
وبالتّأكيد، فإنّ أجمل ما في هذا الموسم أنّه لا يُعلن نهايةَ الحكاية، بل بدايةَ فصلٍ جديدٍ منها، فصلٍ ينتقلُ فيه الخرّيجون من مقاعدِ التّعلّم إلى ميادين العمل والعطاء، حاملين معهم المعرفة والخبرات والأمل، ومستعدّين للإسهام في بناء وطنهم وخدمة مجتمعهم وصناعة أثرٍ يليق بما تعلّموه وما حلموا به.
لهذا كلّه، يبقى موسم التّخريج موسمًا استثنائيًّا؛ موسمًا يختلطُ فيه الفرح بالامتنان، والحنين بالحلم، والنهايات بالبدايات، موسمًا للاحتفاء بما تمّ إنجازه والتّطلّع بثقةٍ إلى ما هو آت، موسمًا يأتي أخيرًا بعد أن اكتشف الخرّيجون المُمكن، وأنجزوا المطلوب.
وأتطلّعُ أن يأتيَ وقد اكتشفوا ما يختزنونه في دواخلهم؛ ما يُحبّون وما يرفُضون، وما يليق بهم وما لا يشبههم، وبنَوا شخصيّاتهم المستقلّة، وامتلكوا الدّافع للتّجربة والمغامرة وخوضِ مجالات جديدة، ومواصلةِ السّعي نحو آفاقٍ أرحبَ من المعرفة والإبداع والإنجاز.