الشاعر سامي محمود أبو عون يكتب : هنا غزة
بقلم : الشاعر سامي محمود أبو عون - عضو الاتحاد العام لكتاب فلسطين
لا تكفي كلمةُ الفقد
ولا تتّسع الحربُ لمعناها حين تُنطق.
فثمّة أشياءُ أكبرُ من اللغة
وأشدُّ وطأةً من الحروف
وأثقلُ من أن تحملها الجمل
هنا غزة
حيثُ تُولد الكتابةُ من بين شقوقِ الركام
وتنهضُ الكلماتُ مثقلةً بغبار البيوت
وبأسماء الذين عبروا إلى الغياب
على عجل.
هنا
حصدت الحربُ الجهاتِ كلَّها
وتركت الواقعَ حقلًا من الأسئلة
لا يُسمع فيه إلا صدى الفقد
ووقعُ الخطى المرتبكة
في ممرّات الحياة المهدّمة.
الأحبّةُ الذين كانوا يملؤون الجهاتِ دفئًا
صاروا فراغًا يتّسع في القلب
والمكانُ الذي كان بيتًا
أصبح ذكرى تبحث عن جدار.
هنا غزة.
الوقتُ لا يمضي
بل يجرُّ ظلاله الثقيلة
فوق أرواحٍ أنهكها الانتظار.
والأملُ
ذلك الطائرُ الذي كان يحطُّ على نوافذ الصباح
آوى إلى جفون الأمهات الثكالى
ينام فيها متعبًا
ويصحو على دمعةٍ جديدة.
المكانُ ليس المكان
والشوارعُ التي كانت تعرف أسماء أصحابها
أضاعت ملامحها
كأنها خرجت من ذاكرتها
وعجزت عن العودة.
والحياةُ
وقد نُزع منها ما يكفي من الضوء
ترسو متعبةً
على أرصفة النزوح
تعدُّ المسافات بين خيمةٍ وخيمة
وبين قلبٍ وقلب.
هنا غزة.
هنا تكسّر العدلُ
كما تتكسّر العظامُ تحت ثقل الخراب.
وهنا سقى عرقُ الحاجةِ
أشجارَ الصبر
فأثمرت مرارةً لا يقوى عليها إلا الذين
تعلّموا كيف يحملون الجبال
في صدورهم
ويمشون
ما تبقّى
جرحٌ مفتوحٌ
في وسائد العيون.
جرحٌ لا ينام
ولا يشيخ
ولا يتعلّم النسيان
جرحٌ كلما ظنّ الناسُ أنه هدأ
أيقظته صورة
أو اسم
أو مقعدٌ فارغ
على مائدة المساء.
ورغم العظام المبعثرة
في زوايا الحكاية
ورغم الغياب الذي يملأ الهواء
أكثر مما يملؤه الأكسجين
ما زالت غزة
تكتب أسماء أبنائها
على صفحات الضوء.
هنا غزة.
هنا تُقاد الإنسانيةُ إلى مذبح المبرّرات
ويُسأل الضحايا
أن يبرّروا دموعهم.
هنا يكبر الأطفالُ
أسرع من أعمارهم
ويتعلّمون الحكمة
من قسوة الوجع.
هنا الموتُ
ليس استعارةً شعرية
ولا خبرًا عابرًا
الموتُ هنا
هو الموت
هو الفقد
والفاقد
والمفقود
هو المقعدُ الذي ظلّ شاغرًا
والصوتُ الذي انقطع في منتصف الحكاية
والبابُ الذي ينتظر
من لن يعود.
ومع ذلك...
في بكارة الصباحات
حين ينسلُّ الضوءُ خجولًا
من بين أنقاض الليل
تنهض غزة.
تنفض عن كتفيها غبار الألم
وتجمع ما تناثر من نبضها
ثم تفتح نافذةً أخرى للحياة.
لا لأنها نسيت
بل لأنها تحفظ أسماء الراحلين جيدًا.
ولا لأنها اعتادت الوجع
بل لأنها تعرف أن البقاء
شكلٌ من أشكال الوفاء.
هنا غزة.
مدينةٌ كلّما أثقلتها المأساة
ازدادت التصاقًا بالحياة.
وكلّما مرّ الخرابُ من أبوابها
أشعلت في القلب
قنديلًا جديدًا من الصبر.
هنا غزة...
حيثُ يمشي الألمُ إلى جوار الكرامة
وتبقى الحياة
رغم كل شيء
تُجيد العودة.