لما جمال العبسة : «النفط» بين السقف المجمد وانهيار العقوبات
في خضم التوترات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية بسبب اغلاق مضيق هرمز، جاء قرار الاتحاد الأوروبي بتجميد سقف أسعار النفط الروسي عند مستوى 44.10 دولار للبرميل، ليكشف عن مفارقة استراتيجية عميقة فهذا التجميد لا يعني إلغاء العقوبات، لكنه يعبّر عن إدراك أوروبي بأن آلية الضغط الاقتصادي وصلت إلى حدودها القصوى في ظل واقع جيوسياسي متفجر، حيث أغلق مضيق هرمز فعلياً وجاء الحصار الامريكي على الموانئ الايرانية على الخليج وتضاعفت المخاوف من نقص الإمدادات.
في البداية لا بد من توضيح مفهوم التجميد الذي اقره الإتحاد الاوروبي الذي يتجاوز البعد الفني، فهو يعني تعليق آلية المراجعة التلقائية التي كانت ترفع سقف الاسعار كل ستة أشهر بما يتناسب مع متوسط أسعار خام الأورال الروسي، بمعنى آخر، اختارت أوروبا أن توقف الزمن عند مستوى منخفض وغير واقعي مقارنة بالأسعار العالمية، لتتفادى انفجاراً أكبر في أسواقها الداخلية، وبالتالي فإن هذا القرار يعكس اعترافاً ضمنياً بأن العقوبات لم تعد قادرة على مواكبة ديناميكيات السوق، وأن الاستمرار في التشدد قد يقود إلى شلل صناعي أو أزمة طاقة خانقة هناك.
الترابط بين هذه الخطوة والسياق الأوسع واضح خاصة بين الاطراف الثلاثة في المشهد، واشنطن التي دفعت منذ البداية نحو سياسة العقوبات تجد نفسها أمام حلفاء يتراجعون تحت ضغط الواقع، فيما تستغل موسكو اللحظة لتظهر كضامن موثوق لأمن الطاقة العالمي، أما طهران، فإنها تراقب المشهد وهي تدرك أن إغلاق «هرمز» منحها ورقة ضغط غير مسبوقة، جعلت أوروبا تعيد حساباتها في مواجهة مزدوجة مع روسيا وإيران في آن واحد.
اما اقتصادات الخليج الاكثر تضررا بظروف المضيق فتقف عند مفترق طرق، فارتفاع الأسعار يمنحها إيرادات إضافية على المدى القصير، لكنه يضعها أمام تحدي استدامة الطلب الأوروبي الذي قد يتجه مجدداً نحو النفط الروسي إذا انهارت منظومة عقوبات حلف الناتو على روسيا، وهنا يظهر البعد العملي للتجميد والمتمثل في أنه ليس مجرد إجراء تقني، بل إشارة إلى أن الغرب قد يضطر إلى إعادة فتح قنوات مع موسكو، ما يغيّر معادلة العرض والطلب ويغير رسم خريطة الطاقة العالمية.
وفي هذا الاطار يمكن ان تلجأ دول الخليج العربي لسيناريوهات مختلفة عن ماهي عليه الآن، على سبيل المثال، ان توقع عقودا طويلة الأجل مع آسيا، خصوصاً الصين والهند، لتقليل الاعتماد على الطلب الأوروبي المتقلب، كما يمكنها ان تطور أدوات مالية للتحوط ضد تقلبات الأسعار، بما يحمي موازناتها العامة من صدمات السوق، اضافة الى خيار تعزيز التنسيق الإقليمي من خلال بناء موقف خليجي موحد في مواجهة التحولات الأوروبية والروسية، بما يضمن قدرة تفاوضية أعلى في المحافل الدولية.
يمكن القول إن تجميد سقف أسعار النفط الروسي يمثل لحظة اعتراف أوروبية بحدود العقوبات، ويكشف هشاشة وحدة الغرب في مواجهة الأزمات الجيوسياسية الكبرى، كما أنه قرار يربط بين واشنطن وطهران وموسكو في شبكة واحدة من التوازنات، ويضع اقتصادات الخليج أمام اختبار استراتيجي بالغ الحساسية، فالتجميد ليس مجرد كلمة تقنية، بل عنوان لمرحلة جديدة قد تعيد تعريف العلاقة بين السياسة والسوق في عالم الطاقة.
ــ الدستور