اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : ميزان الرواتب والاستحقاق الاقتصادي

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : ميزان الرواتب والاستحقاق الاقتصادي
أخبارنا :  

في الوقت الذي تمضي فيه الدولة الأردنية بخطى واثقة نحو «رؤية التحديث الاقتصادي»، تبرز الحاجة لمراجعة بعض المفاهيم الهيكلية التي تضمن تلاحم المسارات بين النمو الاقتصادي والرخاء الاجتماعي. إن الحديث عن منظومة الرواتب والمكافآت في مؤسساتنا الكبرى وشركاتنا المساهمة ليس مجرد مسألة محاسبية، بل هو قراءة في فلسفة الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية اللتين تشكلان احجار الزاوية في بناء أي اقتصاد مستدام ومنيع.

تخبرنا الأرقام، ان الفجوة بين قمة الهرم الوظيفي وقاعدته في المؤسسات الكبرى باتت تحتاج إلى وقفة تأمل وطنية. فعلمياً، يُقاس ذلك بما يُعرف بنسبة أجر المدراء إلى متوسط اجر العامل (اعلى الهرم مقارنة بالقاعدة). وبينما تحاول الدول المتقدمة ضبط هذه النسبة لضمان ديمومة الإنتاج وتحقيق العدالة، نلحظ في مشهدنا المحلي حالات تتجاوز فيها المكافآت الشهرية لبعض القيادات ما يتقاضاه الموظف في القاعدة خلال سنوات من البذل المتواصل. هذه المفارقة تضعنا أمام تساؤل مشروع حول مدى مواءمة هذه الأرقام مع حجم ناتجنا المحلي الإجمالي، وقدرتها على تحفيز بيئة العمل الكلية.

إذا ألقينا نظرة على البوصلة العالمية في هذا المجال، سنجد أن النماذج تختلف باختلاف الفلسفات الإدارية. في النموذج الأمريكي، تُفصح الشركات الكبرى عن نسب قد تصل أحياناً إلى (1:272)، وهي نسبة تثير جدلاً واسعاً هناك رغم كونها نتاجاً لأسواق عالمية مفتوحة تقوم على الابتكار الجذري. أما في القارة الأوروبية، فالأمر يميل نحو الرشد الاجتماعي، حيث نجد النسبة في ألمانيا (1:90) وفي السويد (1:40). والمثير للانتباه هو النموذج السويسري، حيث تعالت الأصوات الشعبية لتحديد النسبة بـ (1:12)، أي أن ما يتقاضاه المدير في شهر لا يجب أن يتجاوز ما يتقاضاه العامل في سنة كحد اقصى.

وعندما نقارب هذه الأرقام مع واقعنا المحلي، يبرز تساؤل حول طبيعة المنجز. ففي الاقتصاديات المتقدمة، تُربط الرواتب الكبيرة بمعادلة «المخاطرة والابتكار» والتي تخلق أسواقاً ومنتجات جديدة. أما في بيئتنا المحلية، فإن معظم المؤسسات التي تمنح مكافآت ضخمة تعمل في قطاعات راسخة أو ريعية. النجاح هنا، هو في جوهره إدارة ذكية لموارد سيادية أو تقديم خدمات في أسواق محمية تشريعياً. لذا، فإن القيمة المضافة التي يقدمها رأس الهرم يجب أن تُقاس بمدى قدرته على خفض الكلف الرأسمالية وتوسيع قاعدة التوظيف.

اقتصادياً، كل دينار يُدفع كزيادة غير مبررة في التكاليف التشغيلية الإدارية هو دينار تحرم منه فرص الاستثمار الرأسمالي الذي يمكن أن يسهم في خفض معدلات البطالة. إن الاستدامة الحقيقية لا تكمن في القمم المتضخمة بل في القواعد القوية. هذه ليست دعوة الى المساواة الحسابية، بل الى التناسب المنطقي الذي يجعل من الراتب والمكافأة حوافز للتميز.

هذا الملف في جوهره يتعلق بالامن الاقتصادي، والقدرة على إعادة ضبط توازنه هو اختبار حقيقي لإرادة التحديث. فالبناء الوطني لا يرتفع إلا إذا كانت أحماله موزعة بعدالة، وقواعده تشعر بأنها شريك حقيقي في ثمار النجاح. ان عدالة الأرقام هي الطريق الأقصر نحو النمو الشامل.

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك