فراس المجالي : أزمة الاقتصاد واقتصاد الأزمة: بين حسابات الميزانية وحساب الرعِيَّة
في انتظار التعديل القادم لأسعار المشتقات النفطية، يراقب المواطن مؤشر الوقود في سيارته ، مدركاً أن كل لتر إضافي يدخل خزان سيارته سيقتطع مباشرة من دخل اسرته.
فلا تعنيه في تلك اللحظة روايات الحكومة وشروحاتها عن معادلات العجز ، لان الأرقام الجافة التي يتفوه بها بعض المسؤولين تترجم في بيت الأردني إلى أطباق تغيب عن المائدة، وسلع أساسية يختصرها بحسرة حين يشعر بالعجز عن تأمينها لعائلته.
و المسألة لم تعد متعلقة بفارق سعري للمشتقات النفطية، بل بحدود قدرة المواطن على تحمل سياط الغلاء غير المنضبط الذي اجتاح الأسواق المحلية، وخصوصاً عقب اشتعال الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، وصولاً إلى إغلاق مضيق هرمز الذي بات شماعة يعلق عليها رفع أسعار سلع محلية.
ولا شك بأن ظروف الإقليم ألقت بظلال ثقيلة على اقتصاد المملكة، لتضع صانع القرار أمام معضلة أمن الطاقة، وتحدي استدامة الموازنة، ومشكلة الوفاء بالالتزامات الدولية.
ولعل في هذه الأزمة اختباراً لمرونة الحكومة وسياساتها المالية، لكن البرنامج الاقتصادي الموقّع مع المؤسسات الدولية ليس نصاً مقدساً؛ إذ يمتلك صندوق النقد مرونة واضحة في حالات القوة القاهرة والظروف الطارئة، كما ان مهمة الصندوق تقتصر على مراقبة الأهداف الكلية فلا يتصرف كإدارة بديلة تفرض أدواتها.
هناك بعض المتفائلين بلجوء الحكومة إلى حلول حاسمة، كالتعديل العكسي للضريبة المقطوعة على المشتقات النفطية لامتصاص صدمة الارتفاع، بدلاً من التردد والتباطؤ الذي إنتابها بداية الأزمة الإيرانية الأخيرة، واضطرارها إلى رفع أسعار الوقود الشهر الماضي، واحتمال أن تُجبر على رفعة أخرى نهاية الشهر الحالي.
وهناك من يرى أن الأزمة تكمن في إصرار الحكومة على تقديم شهادة حسن السلوك المالي للمانحين، ظناً منها بأن اتزان المعادلة الحسابية وحده كفيل بالثناء على أدائها، وكأنّ الصبر والتضحية هما من نصيب الشعب وحده في علاقته مع القرار الذي يحدد مصيره.
أما الخطاب الرسمي فلم يتفوق على نفسه في إقناع الجمهور بجدية الحكومة في إجراءات التقشف وضبط النفقات، بينما تتمسك الحكومة بنفقات ومشاريع رأسمالية قابلة للتأجيل، وتمارس جرأة إدارية تمتد إلى مستقبل دخل المتقاعد باقتراح تعديلات تمس قانون الضمان الاجتماعي في توقيت يفتقر إلى الحس السياسي.
فالرواية الحكومية تظهر اهتماماً كبيراً بإدارة الأرقام بينما يشعر المواطن بأنها تتعامل مع صبره كخزان لا ينضب، ويزيد الهوّة أسلوب المماطلة في المكاشفة، ليبدو القرار منفصلاً عن وجع الشارع الممتد إلى المحافظات والأطراف التي تعاني أساساً من شح الفرص وضعف مكاسب التنمية.
لقد أشار سيد البلاد -حفظه الله- إلى أن الغطاء الحقيقي الذي يضمن لديه بقاء أي حكومة هو رضا الأردنيين أولاً، وحسبي أن هذا الشعب لم يكن يوماً عدواً للمنطق، لكنه يرى في الرواية المبتورة غير المقنعة مساساً بكرامته التي تأبى عليه احتمال التجاهل أو الاستهانة بوعيه.
وقبل أن تحاول الحكومة استرضاء أقلام المجاملين وأصوات المؤثرين، لا بد لها أن ترصد بموضوعية ما يدور في الفضاء العام لكي ترى صورتها الحقيقية حين يشعر الناس أنها تتحدى ظروفهم، بعناد بيروقراطي ومكابرة في تحقيق طموحات ووعود بعيدة الأجل بداعي السعي للإنجاز والرفاه.
أما حديث النخب في كواليس المشهد، فقسم يستشعر قلقاً من تأثير ارتفاع الأسعار على السلم المجتمعي، وقسم يعتقد بأن الحكومة تخوض معركة بلا غطاء، وقسم يعرف أن المعاناة بلغت حداً لا يؤثر فيه استطلاع رسمي ولا مجاملات مرئية أو مكتوبة.
إن سكوت المواطن لا يدل على العافية في كل الأحوال، وعندما يبلغ المسؤول حدود ما يستطيع دون تحقيق الأثر المرجو، فإن الأمانة الوطنية تتجلى في التخلي الطوعي عن موقع المسؤولية لضخ دماء جديدة؛ إيماناً بالرؤية الملكية السامية التي جعلت من خدمة الأردنيين وصون كرامتهم المعيار الوحيد والفيصل لبقاء أي مسؤول في موقعه.