الأخبار

موفق ملكاوي : الثقافة.. المعنى في مقابل السلعة

موفق ملكاوي : الثقافة.. المعنى في مقابل السلعة
أخبارنا :  

حين نتحدث عن «الثقافة»، فإننا غالبا ما نخلط بين مستويين مختلفين تماما في الجوهر، حتى وإن بدا الاثنان متداخلين في الممارسة اليومية. الثقافة بوصفها معنى، والثقافة بوصفها سلعة. الفارق بينهما يتعدى اللغة والاصطلاح، نحو الرؤية إلى الإنسان ووظيفة الإبداع، وفي علاقة المعرفة بالسوق.


الثقافة كمعنى هي ما يتشكل في الداخل قبل أن يعرض في الخارج، أي أنها النسيج غير المرئي الذي يصوغ طريقة فهم الإنسان للعالم، ويحدد حساسيته تجاه الجمال، وقدرته على طرح الأسئلة، واستعداده للشك أو الإيمان أو التأمل.
في هذا المستوى، تتبدى الثقافة كتجربة معاشة، فتقاس بطريقة القراءة وقدرة العمل الفني على إعادة تشكيل الوعي تجاه الحياة والحق والجمال والحب، ما يجعلها معنى حيا يعيد ترتيب الداخل. تماما كما يحدث حين نقرأ رواية مثل «موسم الهجرة إلى الشمال»، كإشكالية محلية نستطيع إدراكها، فنخرج منها بأسئلة عن الهوية والاستعمار والذات، وبذلك فنحن لا «نستهلك» الرواية، وإنما ندخل معها في حوار قد يسهم في تغيير شيء ما في دواخلنا، وهذا تماما فعل الثقافة كمعنى.
في المقابل، الثقافة كسلعة تخضع لمنطق العرض والطلب، وتعاد صياغتها لتكون قابلة للبيع والتداول والانتشار السريع، بما يحولها من تجربة إلى منتج ومحتوى، فيصبح معيار نجاحها كامن في عدد من يستهلكها، وتختزل قيمتها في أرقام المشاهدات والمبيعات، ولاحقا أصبح في عدد الإعجابات ومدى تحقيقها لفكرة «الترند».
لا يعني ذلك أن الثقافة كسلعة هي بالضرورة سلبية، غير أنها تصبح محكومة بشروط السوق، وتختار الابتعاد عن العمق والتعقيد والإزعاج والمغامرة، لمصلحة السرعة والتبسيط والإرضاء والتكرار.
السوق، بطبيعته، لا يكافئ دائما ما هو أعمق، وإنما ينحاز إلى ما هو أسرع في الوصول وأكثر قابلية للتكرار، وأيضا ما هو أقل قدرة على إثارة القلق المعرفي. لذلك، نجد كثيرا من المنتجات الثقافية المعاصرة يتم تصميمها منذ اللحظة الأولى لتناسب الخوارزميات التي تعني من شأن الوصول، لكنها قد لا تناسب الإنسان ومتطلبات البنية الفوقية. العناوين الصادمة لبعض الكتب سنكتشف، حين نشرع بقراءتها، أن محتواها لا يستحق الصدمة، ولكن العنوان جاء من أجل رفع عوامل الإثارة لتحقيق مزيد من البيع. بعض الأفلام أو البرامج أو المحتويات الرقمية، كذلك، يتم إنتاجها وفق هذه المعايير تحقيقا لحسابات الانتشار، وبعيدا معايير القيمة.
المبدع اليوم يبدو أكثر انشغالا بما يريد الجمهور سماعه وبما تسمح به المنصات، من أجل تحقيق أعلى معدل وصول، لكن ذلك يؤدي بالضرورة إلى أن «تبتلع» السلعة المعنى بالكامل، وأن يصبح الإنسان عاجزا عن التمييز بين العمل الذي تم تصميمه ليترك أثرا داخليا، والعمل الذي جاء ليحصد استهلاكا لحظيا.
في عالم السرعة الذي أنتجته المنصات وأثرت فيه على المعنى ومركز الثقافة في الحياة، تحولت كثير من المعاني إلى مجرد خلفيات للحدث الأساسي الذي غاب فيه العمق، حتى القراءة تحولت إلى عادة سريعة، بينما تحولت الموسيقا، حتى الكلاسيكية منها، إلى مجرد خلفية صوتية لمقطع فيديو فكاهي.
إذا عدنا إلى رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للروائي السوداني الطيب صالح، مثلا، فإن هذا النوع من الأعمال يمنح قارئه متعة سردية، ويدفعه، كذلك، إلى مراجعة علاقته بذاته وبالآخر وبالتاريخ. في المقابل، هناك عشرات الكتب لا تضيف أي طبقة جديدة إلى وعي القارئ، لكنها تحقق مبيعات ضخمة لأنها باتت تعرف تماما «معادلات» التسويق الناجحة في الزمن الراهن، وهذا لا يجعلها عديمة القيمة بالضرورة، لكنه يطرح سؤالا بالغ الحساسية حول ما نستهلكه ثقافيا اليوم، وهل يصب في صناعة الوعي، أم أنه تم تصميمه لملء الوقت ورفع نسب الاستهلاك الخالي من أي عمق أو أثر.
المجتمعات التي تفقد قدرتها على حماية الثقافة كمعنى، تتحول تدريجيا إلى مجتمعات تستهلك صورا عن المعرفة من دون أن تنتج معرفة حقيقية، فيصبح من السهل بيع الأفكار كما تباع السلع، وتسويق الهويات كما يتم تسويق العلامات التجارية، وصولا إلى اختزال القضايا الكبرى في مقاطع قصيرة وشعارات جذابة.
التحدي الحقيقي أمام المؤسسات الثقافية، على اختلافها، يتمثل في منع السوق من احتكار تعريف الثقافة، والتحول في الانحياز إلى ثقافة تنتج معنى، فهي التي تربكنا، وتدفعنا إلى التفكير، وتعيد ترتيب علاقتنا بالعالم.  ــ الغد

مواضيع قد تهمك