الأخبار

محمد صالح النجداوي ريادةُ التأسيس وأمانةُ الموقف، فيصل النجداوي يفتح دفاتر الجد والوطن

محمد صالح النجداوي ريادةُ التأسيس وأمانةُ الموقف، فيصل النجداوي يفتح دفاتر الجد والوطن
أخبارنا :  

بقلم: فيصل أسامة "محمد صالح" النجداوي

حين أجلس اليوم بين أوراق جدي المرحوم محمد صالح النجداوي (1892-1962)، لا أجد نفسي أمام مجرد وثائق صفراء حفظتها أدراج المكتبة الوطنية، بل أجدني أمام خارطة وطن تشكلت ملامحه بعرق الرجال الأوائل وكبريائهم، فأنا لا أكتب اليوم كحفيدٍ يزهو بنسبه فحسب، بل كشاهد على سيرة قائدٍ عابر للحدود لم تعترف طموحاته القومية بأسلاك الجغرافيا، فكان جدي صوتاً للحق في كل أرض وطأتها قدماه، من أروقة العلم في دمشق وإسطنبول إلى خنادق الثورة في الحجاز وسوريا وفلسطين.
إن سيرة جدي "أبو الوليد" تبدأ من تلك اللحظة الفارقة التي قرر فيها أن يسبق عصره بالعلم، فكان من القلائل الذين نالوا شرف الدراسة في مدرسة عنبر بدمشق ثم الكلية الحربية بإسطنبول، ليعود منها ممتشقاً وعياً سياسياً وعسكرياً نادراً، أهّله ليكون في طليعة الملبيين لنداء الثورة العربية عام 1916، فخاض غمار المعارك برتبة ملازم أول في المدينة المنورة، ثم قائداً للفرسان في سوريا مرافقاً للملك فيصل الأول في أدق مراحل التحرر العربي، حيث كان يدير شؤون العباد والبلاد مديراً لناحيتي صلخد و المزيريب، فارضاً هيبة الدولة وحكمتها في مناطق كانت تغلي بالتحولات الكبرى، قبل أن ينتقل ليكون مديراً لنفوس القدس الشريف، مؤكداً أن رجل الدولة الحقيقي هو من يحمل همَّ الأمة من دمشق إلى القدس إلى عمان.
وهذه الهيبة التي كان يتمتع بها جدي لم تكن محبوسة في إطار الوظيفة، بل كانت هيبة عابرة للحدود استحق بها تقدير الملوك والقادة، فالهدايا الملكية والتقدير الخاص الذي حظي به من الملك عبد العزيز آل سعود في الحجاز لم تكن إلا اعترافاً بوزن هذا الرجل كقامة سياسية وعسكرية وازنة، تمتلك دهاءً إدارياً وحساً أمنياً قل نظيره، وهي ذات الهيبة التي جعلته من أوائل مستقبلي الملك المؤسس عبد الله الأول في معان، ليساهم معه في وضع اللبنات الأولى لجهاز الأمن العام والدرك، متولياً قيادة مناطق السلط والكرك والطفيلة وعمان، وحاكماً للجيزة عام 1926، حيث كان يجمع بين صرامة القائد العسكري وبين حكمة الإداري الاقتصادي الذي يعي أن بناء الأوطان يحتاج لنزاهة اليد قبل قوة السلاح؛ فالمراسلات الشخصية التي جمعته بجلالة الملك علي بن الحسين لم تكن إلا اعترافاً بأنهم أمام رجل دولة من طراز رفيع يمتلك حنكةً تتجاوز الرتب.
وفي موازاة هذا الحضور الرسمي، شهد له التاريخ بنشاطه السياسي القومي الملتزم تحت راية العرش الهاشمي بجرأة الفرسان، فقد كان جدي مناضلاً لم ينحنِ للعواصف، يرفض أي مساس بالسيادة بـأنفة سلطية لا تكسر، وهو الذي جسّد مواقفه الصلبة عام 1932 مما أدى لاعتقاله وسجنه؛ وهناك خلف القضبان تلاقت تضحياته مع رفاق السلاح والكلمة، فكان رفيق دربه شاعر الأردن مصطفى وهبي التل "عرار" الذي خلد في قصائده تلك الرفقة مع "محمد صالح" واصفاً إياه برجل المبادئ الذي لا يساوم، حيث كانت السجون تضيق بأجسادهم رفقة المناضلين عودة القسوس وشمس الدين سامي، بينما كانت رؤاهم للحرية تتسع لمدى الوطن، مفضلين جميعاً ضيق السجون على ضيق المبادئ الوطنية.
ولعل هذا الإرث من النزاهة هو ما توج مسيرته حتى إحالته على التقاعد من دائرة الجمارك عام 1946، ليبقى ذكره حياً في كل زاوية من زوايا هذا الوطن الذي أحبه وأعطاه أجمل سنوات العمر. إنني وأنا أسرد هذه القطرات من بحر سيرة جدي، أدرك تماماً أن إرث محمد صالح النجداوي هو درسٌ مستمر في الكرامة والفروسية؛ فقد عاش جدي ليكون سيفاً للثورة وعقلاً للدولة، تاركاً لنا نحن أحفاده أمانةً ثقيلة من الفخر والاعتزاز، مؤكداً أن الرجال العظام لا يموتون طالما أن تاريخهم محفورٌ في ذاكرة الأحرار، وفي كل وثيقة تنطق بصدق جهادهم، ليبقى اسم النجداوي منارة تضيء دروب الانتماء الصادق لهذا الثرى الطهور.
رحم الله جدي "أبو الوليد"، ورحم ذلك الرعيل الفريد الذي علّمنا أن الأوطان تُبنى بالثبات فما أحوجنا اليوم لتلك القمم.

مواضيع قد تهمك