امل محي الدين الكردي : الهوية...روحها الوطنية
بقلم: أمل محي الدين الكردي
إنَّ الحديث عن الأوطان في زمن المتغيرات المتسارعة ليس مجرد ترف فكري أو سرد لمشاعر عابرة بل هو غوص عميق في كينونة الذات واستحضار لأمانة تاريخية ثقيلة تقع على عاتق كل من آمن بأن الوطن كيان مقدس لا يقبل القسمة أو التجزئة فحين نعلن انحيازنا المطلق لثوابت الأمة وهويتها وسيادتها فنحن لا نمارس موقفاً سياسياً بالمفهوم الحزبي الضيق بل نؤدي واجباً مقدساً في محراب الانتماء حيث لا تقبل العقيدة الوطنية أنصاف الحلول أو الوقوف في المناطق الرمادية المترددة إن الهوية الوطنية لأي أمة هي روحها السارية في جسد الزمن وهي ذلك المزيج الفريد بين التاريخ المكتوب بدماء الأجداد وتضحياتهم وبين التراث الحي الذي يتجسد في تفاصيل حياتنا اليومية بدءاً من أصالة اللباس الذي يحكي قصص الصمود والأنفة وصولاً إلى تلك الوثائق العتيقة التي تحفظ حقنا الشرعي في الأرض والوجود ولذلك فإن التمسك بصون هذه الهوية ليس انغلاقاً بل هو فعل حب أسمى يهدف إلى حماية الذاكرة الجمعية من محاولات التشويه أو الذوبان في غمار العولمة الزاحفة فالأمة التي تفرط في رموزها وتراثها هي أمة تقبل بالعدم والنسيان ونحن قد اخترنا بوعي تام أن نكون الحراس الأمناء لهذا الإرث العظيم متمسكين بكل حرف دونه التاريخ عن بطولات رجالاتنا الأوائل الذين لم يساوموا يوماً على ذرة تراب واحدة أما السيادة في عرفنا فهي ليست مجرد حدود جغرافية أو اعترافات دولية شكلية بل هي الكبرياء الوطني الذي يأبى التبعية والانقياد فالإيمان بالسيادة المطلقة يعني أن يكون قرار الوطن نابعاً من قلب مصالحه العليا ومن كرامة إنسانه أولاً وأخيراً وهي تلك الوقفة الصلبة التي ترفض الإملاءات التي تمس هيبة الدولة أو تنتقص من قرارها المستقل المعتمد على إرثها التاريخي وقوتها الذاتية إننا نرى في قوة الدولة وهيبتها الضمانة الوحيدة لاستمرار البناء الوطني وهذا الانحياز السيادي هو الميثاق الذي نودعه للأجيال القادمة لكي تعيش في وطن عزيز موفور الكرامة ومصان الجناب قد يصف البعض هذا التمسك بالجذور والسيادة بمسميات شتى لكن الحقيقة تظل أعمق بكثير فهي الوطنية العضوية التي تجعل من الفرد والوطن كياناً واحداً لا ينفصل نحن لا نحب أوطاننا بطريقة عادية بل نحبها بطريقة جذرية تعيد الاعتبار لكل ذرة تراب وتجعل من الهوية بوصلة لا تخطئ ومن السيادة غاية لا تراجع عنها ومن الوفاء لتاريخ الأجداد عهداً لن ننكثه أبداً وسيبقى القلم دائماً هو السلاح الذي يذود عن حياض الوطن وينتصر لسيادته الممتدة من عمق التاريخ إلى آفاق المستقبل تجسيداً لما يؤكد عليه دائماً سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني من أن الهوية الأردنية هي مبعث فخرنا وعنوان صمودنا وأن الأردني ينتمي لهذا التراب بقلبه وعطائه ليبقى الأردن دائماً وأبداً عزيزاً شامخاً بهوية أبنائه المخلصين.