اسماعيل الشريف : ترويج الحروب
«إذا صحّ الحديث فهو مذهبي» – الشافعي.
من خلال متابعة للإعلام الأمريكي، يبرز تياران متباينان في مقاربة الحرب على إيران. التيار الأول يجسّده توماس فريدمان، أحد أبرز كتّاب الرأي في العالم، الذي قدّم في حديثه على سي ان ان موقفاً لافتاً يقوم على مفارقة حادّة: الدعوة إلى تحطيم القوة الإيرانية، مع رفضٍ في الوقت ذاته لأن يخرج ترامب ونتن ياهو منتصرين في هذه الحرب.
هذه الرؤية تضعنا أمام تناقض رهيب؛ إذ إن تدمير إيران، يفضي حتماً إلى تعزيز موقع ترامب ونتن ياهو، بينما الإخفاق في تحقيق ذلك يعني بالضرورة هزيمتهما.
في المقابل، يقدّم مايكل دوران، وهو كاتب أمريكي يميني بارز، قراءة مختلفة يتغلب على هذا التناقض؛ إذ يرى أن جزءاً من الإعلام الغربي لا ينظر إلى الحرب بوصفها هدفاً بحد ذاته، بل كأداة لإضعاف ترامب سياسياً، بل وربما إذلاله إن أمكن. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة خطاب فريدمان باعتباره محاولة لتحقيق مكاسب استراتيجية، مع الحرص في الوقت ذاته على حرمان الخصوم السياسيين من جني ثمارها. ويمضي دوران أبعد من ذلك، إذ يطرح تبريراً مباشراً للحرب على إيران عبر تفكيك ما يسميه «ثماني أساطير» يروّج لها الإعلام المؤيد لترامب في سياق المواجهة الأمريكية–الإيرانية.
ينقض دوران فكرة أن الحرب خيار يمكن تجنّبه، معتبراً أن إيران، بعد حرب الاثني عشر يوماً، أعادت بناء قدراتها الصاروخية بوتيرة متسارعة، في ظل تقديرات تشير إلى امتلاكها نحو ثمانية آلاف صاروخ باليستي بحلول عام 2027، ما يجعل الحرب، وفق هذا التصور، مساراً حتمياً لا مجرد احتمال. ويرى كذلك أن اتفاق عام 2015 أسهم في إضعاف البرنامج الإيراني، وأن قرار ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي كان صائباً، مستدلاً بوصول نسبة التخصيب إلى 60 % خلال عهد الرئيس بايدن، وبأن عائدات النفط من الصين وفّرت لإيران موارد مالية عززت برنامجها ومكّنتها من دعم حلفائها.
كما يذهب إلى أن إدارة بايدن انسحبت عملياً من الشرق الأوسط، مستشهداً بمئات الهجمات التي نفذتها قوى مدعومة من إيران بين عامي 2021 و2025 ضد القوات الأمريكية في العراق وسوريا والبحر الأحمر، وهو ما عُدّ مؤشراً على تراجع الهيبة الأمريكية مقابل تصاعد النفوذ الإيراني.
ويرى أن طهران أبدت استعداداً لتقديم تنازلات محدودة، لكنها أبقت جوهر قوتها خارج أي تفاوض: فلا تخلي عن البرنامج النووي، ولا مساس بالقدرات الصاروخية، ولا تراجع عن دعم الحلفاء. كما يرفض الطرح القائل إن الكيان جرّ الولايات المتحدة إلى الحرب، معتبراً أنه يقوم على افتراض تبعية القرار الأمريكي له، وهو افتراض يفتقر إلى سند تاريخي. ويرى أيضاً أن القول بأن الحملة على إيران تشتّت الانتباه عن الصين يتجاهل الترابط بين الملفين، إذ تشتري بكين النفط الإيراني وتوفّر له موارد مالية، فضلاً عن دعم تقني يعزز قدراته.
ويضيف أن إرجاع الحرب إلى دوافع شخصية لدى ترامب ونتن ياهو ليس سوى حكم أخلاقي لا يستند إلى تحليل سياسي، لأن قرارات بهذا الحجم تُبنى، في رأيه، على تقديرات استخباراتية وحسابات استراتيجية. ويخلص إلى أن إغلاق مضيق هرمز سيضر بالصين أكثر بكثير من الولايات المتحدة، نظراً لاعتمادها الكبير على تدفقات الطاقة عبره.
ويختتم دوران طرحه المؤيد للحرب، والمدافع عنها في مواجهة منتقديها، بالإشارة إلى أن المفاوضات التي جرت في إسلام آباد لم تكن خياراً طوعياً، بل جاءت نتيجة إدراك أن كلفة الاستمرار في الحرب باتت تفوق ما يمكن أن تحققه من مكاسب.
وفي المحصلة، تبدو الساحة الأمريكية منقسمة بين رؤيتين تتقاطعان في الهدف وتختلفان في المنهج؛ إذ يسعى كلاهما إلى تقويض القوة العسكرية الإيرانية، غير أن الأولى، كما يعكسها فريدمان، تتسم بالضبابية والتناقض، فيما تأتي الثانية، التي يعبّر عنها دوران، أكثر وضوحا وحسما.
ومع ذلك، فإن مقالة دوران تبدو أقرب إلى خطاب ترويجي للحرب منها إلى تحليل يستند إلى أدلة راسخة؛ إذ تثير تساؤلات جوهرية لا تجد إجابة: أين القنبلة النووية الإيرانية؟ وإلى أي مدى يمكن الوثوق بصحة التقارير الاستخباراتية؟ هكذا يصل النقد إلى ذروته في الحكم على الإعلام الغربي بأنه بلغ مستوى متدنياً، وهي قناعة لم تتبلور إلا في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر. ــ الدستور