د. عاصم منصور : كيف يهزم الوهم المريح الحقيقة العلمية ؟
«لقد أنهت هذه القضية أسطورة» «طبيب الحموضة» وسيلحق به «أطباء السكر» وغيرهم من المتطفلين الذين يقتاتون على بقايا أجساد الضحايا التي أنهكها المرض». بهذه العبارة ختمت مقالاً لي كتبته في مطلع 2019 بعد الحكم الذي أصدرته إحدى المحاكم الأميركية ضد روبرت يونغ أو ما عُرف بـ «طبيب الحموضة»، الذي كان يبيع المرضى الوهم من خلال ادعائه أن نسبة الحموضة في الدم هي أساس كل الأمراض، محققاً ثروة طائلة من وراء ذلك، وكنت على يقين أن يونغ ليس حالة معزولة وإنما هناك الآلاف من أمثاله الذين يستغلون آلام الناس وربما يأسهم ليسوقوا لهم الوهم.
أسوق هذه المقدمة بين يدي الضجة التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي إثر
الإعلان عن العثور على الدكتور ضياء العوضي — أو النسخة المصرية من يونغ —
متوفى في غرفته في أحد فنادق دبي، وما رافقها من تسويق البعض للترهات بأن
شركات الأدوية تقف وراء «قتله».
بعد أن سمعت بقصة هذا الطبيب بدأت البحث في سيرته من خلال مشاهدة بعض
الفيديوهات التي كان يبثها وتحظى بملايين المشاهدات. لقد تفوق العوضي على
يونغ وتجاوزه بمراحل وأبى إلا أن يضيف نكهة مصرية لما يقدمه، فهو يدعي أن
الأدوية سموم، ويحتفي بالكثير من العادات التي اتفق العلم على ضررها مثل
التدخين والإسراف في تناول السكريات والدهنيات وغيرها، وأن السرطان أسطورة
والسكري أكذوبة، وكان يدعو متابعيه للتوقف عن أخذ الأدوية مما أدى إلى
إلحاق الضرر بعشرات المرضى الذين انتهى بهم المطاف إما في أقسام العناية
الحثيثة أو على أجهزة غسيل الكلى أو حتى في المقابر.فالناس بطبيعتهم يميلون
إلى تصديق من يتحدث بثقة، فالنبرة المطلقة كثيراً ما تتغلب على الحجة
المركبة. فالمريض الذي أنهكته التحاليل، وكلف العلاج، وطول الانتظار في
المستشفيات، لا يبحث غالباً عن سردية علمية معقدة فيها قدر من عدم اليقين
بقدر ما يبحث عمن يقول له إن «الأمر أبسط من ذلك بكثير»، وعن تفسير يبدد
خوفه، ويعطيه المبرر لرفض العلاج والتمرد على وصايا الأطباء. وهنا تصبح
التربة مهيأة لمروجي الوهم المريح؛ أي ذلك النوع من الخطاب الذي لا يهتم
بتقديم الحقيقة، بل يقدّم بدلاً منها راحة نفسية سريعة وخادعة.
فحين يتم ترديد عبارات مثل أن «السرطان ليس مرضا» أو أن «ارتفاع السكر في
الدم حالة مؤقتة» بصيغة حاسمة، فإنه لا يتم تلقيها باعتبارها أفكارا قابلة
للنقاش، بل أحكاما نهائية تخلق لدى المتلقي انطباعا بأن المتحدث يمتلك
معرفة استثنائية. فقوة هذا الخطاب وعمق تأثيره تكمن في أنه لا يفسر بقدر ما
يبهر.ولا يكتمل هذا المشهد دون فهم الخلفية الاجتماعية التي تسمح بانتشار
مثل هذه الأفكار، فالثقة في النظام الصحي في أدنى مستوياتها، والازدحام في
قاعات الانتظار وردهات المستشفيات، وارتفاع كلف العلاج، وضعف التواصل بين
الطبيب والمريض، كلها عناصر تجعل الجمهور أكثر قابلية للاستماع إلى أي صوت
يخاطب همومهم بطريقة أقل تعقيداً من المؤسسة الطبية الرسمية. لذلك تتحول
هذه الرسائل إلى ما يشبه الانتقام الرمزي من النظام ومن المرض ومن الحرمان،
من خلال رفض الأدوية التي أنهكت الجسم والجيب، والحميات الغذائية الصارمة
التي يصعب الالتزام بها، والتشكيك في مصداقية الطب.
لا يمكن قراءة هذه الظاهرة بوصفها ظاهرة طبية فقط، بل مرآة لأزمة أوسع:
أزمة ثقة، وأزمة نظام، وأزمة جمهور يبحث عن اليقين في زمن يسيطر فيه الشك
على كل شيء.
ــ الغد