د. حازم قشوع يكتب : اورقة الإعلان وحادثة الاغتيال
د. حازم قشوع
تُعرَف الأحداث بنتائجها، وتُفهم الوقائع من خواتيمها، كما تنكشف الخبايا حين تتضح ماهيات المشهد. ومع ذلك، تبقى علوم الاستدلال ومنهجيات الاستقصاء أدوات قادرة على استشراف القادم، وقراءة ما وراء الحدث من دوافع خفية. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر
إلى المشهد الذي أُعلن فيه عن إصابة بنيامين نتنياهو بسرطان البروستاتا، بوصفه حدثًا يتجاوز البعد الصحي إلى توظيف سياسي محسوب.
فقد جاء هذا الإعلان، وفق تقديرات عدد من المتابعين، في توقيت لافت، رغم أن الإصابة – بحسب ما يُتداول – تعود إلى سنوات سابقة، وكان يخضع خلالها لعلاجات مكثفة. إلا أن توقيت الإعلان يتقاطع مع دخول المجتمع الإسرائيلي في أجواء انتخابية، ما يفتح الباب أمام تفسيره كخطوة تستهدف استدرار التعاطف، وربما السعي إلى إعادة إنتاج معادلة قديمة بينه وبين ما يُعرف بـ"عمق الدولة"، كانت تقوم على "العزل مقابل العفو"، ليحاول اليوم تحويلها إلى "عفو عام مقابل استكمال النهج".
وبهذا، يسعى نتنياهو – وفق هذا التصور – إلى تأمين مخرج سياسي وقانوني يتيح له الاستمرار في الحياة السياسية، مستندًا إلى رواية يروّجها أنصاره حول تحقيق "إنجازات استراتيجية" في الإقليم، بالتوازي مع دعم متوقع من دوائر في الحزب الجمهوري الأميركي، ومن شخصيات مؤثرة على رأسها دونالد ترامب، إضافة إلى تيار يُعرف بالصهيونية المسيحية.
وفي موازاة هذا الإعلان، برزت حادثة استهداف الرئيس الأميركي دونالد ترامب في هيلتون واشنطن على يد "كول توماس ألين"
فى وسط ظروف غامضة الكثيرً من التساؤلات، سواء من حيث طبيعة الموقع، أو نوع السلاح المستخدم، أو حجم الإجراءات الأمنية المحيطة به. وهو ما دفع بعض المراقبين إلى التشكيك في طبيعة الحادثة، والتساؤل حول المستفيد منها.
وتتجه بعض التحليلات إلى ربط هذه الحادثة بتوازنات داخل الحزب الجمهوري، حيث يُشار إلى صعود نجم نائب الرئيس جيه دي فانس، وتنامي حضوره مقارنة بشخصيات أخرى مثل ماركو روبيو، في ظل صورة يُنظر إليها على أنها أكثر اتزانًا وجاذبية داخل الحزب.
في المقابل، يرى آخرون أن توظيف حادثة الاغتيال – في حال جرى ربطها بجهات خارجية كإيران – قد يسهم في تغيير اتجاهات الرأي العام الأميركي، الذي كان يميل إلى رفض الانخراط في صراعات جديدة، ليعاد توجيهه نحو تبني خطاب يعتبر تلك المواجهات جزءًا من الأمن القومي الأميركي.
وبين هذا وذاك، يبرز احتمال أن يكون تزامن الإعلان عن المرض مع حادثة الاغتيال جزءًا من مشهد مركب، تتداخل فيه الحسابات السياسية الداخلية مع الترتيبات الإقليمية والدولية، في محاولة لإعادة تشكيل الاصطفافات، وتعزيز فرص البقاء في دائرة الفعل والتأثير.