الأخبار

د. خالد الشقران : إعادة فتح "هرمز".. اختبار لإرادة العالم

د. خالد الشقران : إعادة فتح هرمز.. اختبار لإرادة العالم
أخبارنا :  

يعد مضيق هرمز الشريان الأهم في أمن الطاقة العالمي، فلا يوجد ممر مائي آخر يضاهيه في حساسيته وحيويته، فالمضيق الذي لا يتجاوز عرضه 21 ميلا بحريا، والواقع بين إيران وسلطنة عمان، يشكل المنفذ البحري الوحيد لدول الخليج العربي نحو المياه المفتوحة، ومن هذا المنطلق، فإن أي تهديد لحرية الملاحة فيه لا يمس دول المنطقة وحدها، بل يمتد ليطال الاقتصاد الدولي برمته ويضرب أسس النظام القانوني للبحار.

تتجلى الأهمية الاقتصادية للمضيق في حجم التجارة العابرة له، إذ يمر عبره يوميا نحو 20 مليون برميل من النفط، أي ما يعادل خمس الاستهلاك العالمي، إلى جانب ربع تجارة النفط المنقولة بحرا ونحو خمس الغاز الطبيعي المسال عالميا، وتعتمد اقتصادات كبرى بشكل شبه كامل على هذا الممر؛ فأوروبا تستورد الكثير من احتياجاتها النفطية من خلاله، وتستورد اليابان أكثر من 90% من احتياجاتها النفطية عبره، وتستورد الصين قرابة 5.4 مليون برميل يوميا من طريقه، وقد أظهر إغلاق المضيق عام 2026 الوجه الكارثي لأي اضطراب فيه، حين قفزت أسعار النفط بأكثر من 60%، وارتفعت تكاليف الشحن وأقساط التامين البحري إلى مستويات غير مسبوقة، مما أربك سلاسل الإمداد العالمية وأثقل كاهل المستهلكين في كل قارة.

ولا تنفصل الاعتبارات الاقتصادية عن الأسس القانونية الصارمة التي تحكم المضيق، فبموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، يتمتع مضيق هرمز بصفته مضيقا دوليا طبيعيا بحق "المرور العابر" الذي لا يجوز إعاقته أو تعليقه، وتختلف هذه الحال جوهريا عن القنوات الاصطناعية، إذ تحظر المادتان 26 و44 من الاتفاقية على الدول الساحلية فرض أي رسوم مقابل حق المرور ذاته، ولا تسمح إلا برسوم خدمات محددة كالإرشاد الملاحي دون تمييز، ويعد إعلان سلطنة عمان، الدولة الساحلية الأخرى، أن المضيق "ممر طبيعي وليس قناة اصطناعية" توكيدا قاطعا على أن حرية الملاحة فيه حق أصيل، لا منحة تقدمها أي دولة او امتياز يشترى بالتفاوض.

في هذا السياق، تأتي التهديدات الإيرانية المتصاعدة، التي بلغت ذروتها بإغلاق المضيق فعليا وفرض رسوم عبور غير قانونية على السفن التجارية، لتشكل خرقا صريحا للقانون الدولي وسابقة بالغة الخطورة، وعليه فإن السماح بتمرير هذه الممارسة من شأنه أن يفتح الباب أمام دول أخرى للتحكم في ممرات مائية دولية حيوية، مما يهدد النظام العالمي للملاحة البحرية في الصميم، وقد عبرت سنغافورة عن هذا الهاجس بوضوح حين رفضت التفاوض مع إيران بشان المرور الآمن لسفنها، مؤكدة أن ذلك "يقوض ضمنيا المبدأ القانوني لاتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار،" وأن المرور عبر هرمز "حق وليس امتيازا".

لهذا، تأتي إعادة فتح المضيق بشكل كامل وغير مشروط كضرورة اقتصادية ومسؤولية قانونية وأخلاقية في آن واحد، وتقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره، وقد تجسد هذا التضافر في اجتماع باريس الذي جمع نحو أربعين دولة، وفي التحركات داخل مجلس الأمن لاستصدار قرار يصف التصرفات الإيرانية بأنها "تهديد للسلم والأمن الدوليين"، وفي الموقف الخليجي والعربي الموحد الرافض لأي إجراءات أحادية تمس حرية الملاحة.

في المحصلة، فإن حماية هذا الحق المكفول لجميع دول العالم تتطلب موقفا حازما يمنع خلق سابقة خطيرة، ويضمن بقاء مضيق هرمز ممرا حرا لا يخضع لإرادة دولة واحدة، ولا يتحول إلى أداة ضغط وابتزاز سياسي تعطل حركة اقتصادات بأسرها، فحرية الملاحة في هذا الشريان الحيوي هي حق أصيل للجميع، لا يصح التنازل عنه أو المساومة عليه تحت أي ظرف. ــ الراي

مواضيع قد تهمك