نيفين عبد الهادي : «الناقل الوطني».. استقرار مائي مؤكد
حين تتحوّل الرؤية إلى واقع، والدراسات والمخططات إلى مشروع يعيش نتائجه الإيجابية المواطنون، وحين يتم الحديث عن إنجاز وليس مجرد دراسات، نحن نتحدث عندها عن قصة نجاح حقيقية، وعن تفوّق يجب أن يتنبه لأهميته الجميع، وهو ما تحقق خلال الأيام الماضية بتوجيهات من جلالة الملك عبدالله الثاني بتوقيع الاتفاقية الفنية القانونية النهائية لمشروع الناقل الوطني تمهيدا لإبرام الغلق المالي في شهر تموز المقبل، وبدء الأعمال الإنشائية وأعمال الحفر في الصيف المقبل، فهذا المشروع الذي يعد الأول من نوعه عالميا، سيؤسس لواقع مائي محلي يُخرج المملكة من عنق زجاجة الفقر المائي بما هو مؤسسي وعملي.
جلالة الملك عبدالله الثاني قبل أيام، وجّه الحكومة بضرورة تحقيق الأمن المائي، وتنفيذ مشروع الناقل الوطني، ووضع المواطنين بخطوات تنفيذه، وهو ما سعت الحكومة لتنفيذه وإدخاله حيّز العمل الفوري، بخطى عملية وحقيقية تنقل الواقع المائي لما هو أفضل حالا، وأكثر ضمانا بوجود ما هو عملي ليشكّل ركيزة أساسية لأمن مائي يرسّخ حضورا سياديا للأردن بصيغة وطنية محلية من ألفها إلى يائها، دون الاعتماد على أي طرف آخر، ودون أي اهتزازات كما حدث فترة كورونا، وتأمين سلاسل الإمداد دون انقطاع.
أمس الأول، شهد رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان التوقيع على الاتفاقية الفنية القانونية النهائية لمشروع الناقل الوطني تمهيدا لإبرام الغلق المالي في شهر تموز المقبل، وبدء الأعمال الإنشائية وأعمال الحفر في الصيف المقبل، بكلفة رأسمالية تقدر بقرابة 4.3 مليار دولار، فيما تصل الكلفة الكلية للمشروع إلى قرابة 5.8 مليار دولار، بما فيها كلف التمويل.
هذه الاتفاقية لم تأت صنيعة الصدفة، فقد جاءت بعد جهود بذلتها الحكومة على مدى ستة عشر شهرا ماضية مع الأطراف المعنية، بهدف تحسين شروط التمويل وتحقيق أفضل سعر ممكن، وتحسين المواصفات الهندسية والفنية للمشروع.
في قراءة إيجابيات مشروع الناقل الوطني، نقف على تفاصيل كثيرة، نبدأها بكونه مشروعا وطنيا، وفي كلمة «وطنيا» معان كثيرة تجعله مشروعا أردنيا وطنيا، وستنعكس أهميته على قطاعات عديدة زراعية وسياحية وطاقة وبيئة والثروة الحيوانية والاستثمار وغيرها من قطاعات متعددة، علاوة بطبيعة الحال على أن كميات المياه التي سيوفرها سنويا، تقترب من السعة الاستيعابية لجميع سدود المملكة، وقرابة ثلاثة أضعاف ما ينتجه مشروع الديسي، وستتضاعف حصة الفرد السنوية من 60 إلى 110 أمتار مكعبة من المياه سنويا، وزيادة عدد أيام التزود من المياه، من يوم واحد إلى ثلاثة أيام في الأسبوع، وفي جميع محافظات المملكة.
ويبرز ما هو هام جدا أيضا بهذا المشروع الضخم الذي يكمن بتعزيز سيادة الأردن المائية، والابتعاد عن أي خطط ترتكز على انتظار كميات مائية تأتي من أي طرف خارج المملكة، بتوفير مصدر مستدام للمياه، ليعزز السيادة ويعدّ أداة تنموية حقيقية وكذلك لتوفير فرص عمل للمواطنين، علاوة على كونه حلاّ جذريا لمعالجة إشكالية العجز المائي في الأردن الذي يعد من أفقر دول العالم مائيا، وكذلك يقلّص الفجوة بين العرض والطلب مائيا تحديدا في ظل تزايد عدد السكان وما تعرض له الأردن من حالات لجوء من دول شقيقة؛ مما رفع نسبة الطلب على الماء، وبطبيعة الحال من خلاله يتم التعامل مع تداعيات التغير المناخي بما هو عملي وعلمي.
بقي أن نقول إن مشروع الناقل الوطني للمياه هو أحد أهم المشاريع الواردة في رؤية التحديث الاقتصادي، ويحتل أولوية وطنية قصوى لتعزيز الأمن المائي الوطني؛ ما يجعل منه صيغة حقيقية لإحداث إصلاح اقتصادي يؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار المائي والتنمية الشاملة، وأداة لموجهة أزمة المياه برؤية عميقة وعملية وواقعية التنفيذ.