الأخبار

القس سامر عازر يكتب : أديان منزوعة الدسم

القس سامر عازر يكتب : أديان منزوعة الدسم
أخبارنا :  

القس سامر عازر

شهدت مناطق كثيرة في العالم، وما زالت أخرى، صراعاتٍ تُنسب إلى الدين، لكنها في حقيقتها تقوم على مفاهيم ضيقة تُقصي الآخر، وتكفّره، بل وتستبيح دمه وتُنكر عليه حقه في الحياة إن لم يسر وفق قناعاتها وأيديولوجياتها وتوجهاتها أو لمجرد إختلافه عنها. وهنا لا بد من التمييز بين الدين في جوهره النقي، وبين ما يُلصق به من تفسيرات بشرية مشوّهة تحرّفه عن غايته السامية.


من جانب آخر نجحت دول كثيرة تنتهج النهج الديمقراطي في ترسيخ مبدأ المواطنة، وأقرّت منظومة من الحريات العامة، وفي مقدمتها الحرية الدينية، ضمن إطار يحفظ كرامة الإنسان وحقوق الآخرين. غير أن الحرية، وإن كانت حاجة وضرورة صحية للحياة الإنسانية، إلا أن المبالغة فيها أو إساءة فهمها قد تُفرغها من مضمونها القيمي والأخلاقي، فتتحول إلى فوضى تُنتج سلوكيات و"موضات" وأعرافًا غريبة عن أصالة المجتمعات. وكما نقول في عاميتنا: "اللي عن بيزيد عن حدّه بينقص"، فالإفراط كالتفريط، كلاهما يُسيء إلى التوازن المنشود.


وفي المقابل، نشهد في بعض المجتمعات تصاعدًا لتيارات التطرف الديني، التي لا تسيء فقط إلى الآخرين، بل إلى الدين ذاته، فتشوّه صورته وتفرغه من رسالته الحقيقية. إن العنف والتعصب والتكفير ليست من صلب أي دين سماوي أو لا يجب أن تكون من أي دين وضعي، بل هي انحرافات بشرية تستخدم اسم الله لتبرير الحروب والقوة لفرض السلام، وإضفاء شرعية زائفة على ممارسات لا تمتّ إلى الروح الدينية بصلة.


من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى تحييد الأديان عن صراعات المصالح الزمنية، السياسية منها والاقتصادية. فعندما تتلوث الأديان بهذه المصالح، تفقد نقاءها، وتبهت رسالتها، وتتحول من قوة روحية مخلِّصة إلى أداة توظيف واستغلال. الدين في جوهره محبة ودعوة إلى السمو، إلى التحرر من الجشع والطمع، إلى العدالة والرحمة، لا إلى استغلال الإنسان وسلب حقوقه.


إن عالمنا اليوم لا يحتاج إلى أديان "منزوعة الدسم"، فاقدة للروح، خالية من القيم والمبادئ السامية، بل يحتاج إلى أديان "كاملة الدسم"، غنية بعمقها الروحي، وسمو تعاليمها، وشمولية نظرتها للإنسان- أي كان عرقه أو إثنيته أو جنسه أو لونه- ككائن مكرّم في عين الله، وله الحق في الحرية والكرامة وممارسة معتقده دون خوف أو إقصاء، ضمن إطار القانون وبما يحفظ نسيج المجتمع ويصونه.


فجوهر الدين هو المحبة الحقيقية، باليونانية هي الأغابيه: محبة الله ومحبة القريب. هذه هي القاعدة الذهبية التي ينبغي أن تُبنى عليها حياتنا ومواقفنا، وتُرسم على أساسها سياساتُنا، وتُوجَّه بها قراراتنا. فعندما يُنزع "دسم" الدين، أي روحه وقيمه، يفقدُ غايتَه، ويتحولُ إلى قشرة جامدة لا حياة فيها.

من هنا، تقع على عاتق المؤسسات الدينية وعلى القائمين عليها مسؤولية كبرى أمام الله والتاريخ، وهي أن ترتقي إلى مستوى رسالتها الروحية، وأن تكون البوصلة القيمية والأخلاقية والروحية لمجتمعاتها، لا أن تنجرّ وراء حسابات ضيقة أو مصالح آنية. فإما أن تكون هذه المؤسسات منارات هدى ونور، تعكس حقيقة الدين في أبهى صوره، أو أن تتحول—لا سمح الله—إلى مؤسسات "منزوعة الدسم"، لا تُغني ولا تُسمن من جوع.


إنَّ استعادة الدسم الحقيقي للدين، أي جوهره الروحي والقيمي والأخلاقي والإنساني، هو الطريق الأقوم لبناء مجتمعات متماسكة، يسودها العدل، وتُظلّلها المحبة، ويُصان فيها الإنسان كإنسان، وتصان حرية المجتمعات وحقوقها.

مواضيع قد تهمك