د. انس عضيبات : جغرافيا الروح: هل نغادر أوطاننا أم نأخذها معنا؟
غالباً ما تبدأ رحلة الاغتراب بحقيبة سفر وتذكرة طائرة، لكن المسافة الحقيقية لا تُقاس بالكيلومترات، بل بمدى قدرة الإنسان على زحزحة "الأوطان" التي تسكنه، كما إن الانتقال من مجتمعات تقليدية إلى عوالم توصف بالليبرالية أو العلمانية ليس مجرد تغيير في العنوان البريدي، بل هو صدام وجودي يكتشف فيه المرء أن العوائق ليست في "اللغة" أو "القوانين" الجديدة، بل في تلك المنظومة من القيم والتمثلات التي تشكلت في أزقة الطفولة، وظلت تمارس سلطتها الرمزية كرقيب داخلي لا يغادر، مهما ابتعد الجسد.
إن المعضلة التي تواجه "المغترب المثقف" تكمن في وقوعه في منطقة برزخية حرجة؛ حيث لم يعد قادراً على الانتماء الكلي للقديم، ولم يستطع الذوبان التام في الجديد، وهذا التردد ليس فشلاً في الاندماج بقدر ما هو تعبير عن عمق الجذور الفكرية التي ترفض الانحلال فالمكان الأول ليس مجرد جغرافيا، بل هو "نظام تشغيل" ذهني يعيد إنتاج نفسه في ردود أفعالنا، وفي نظرتنا للآخر، وفي تعريفنا للصح والخطأ، مما يجعل الكثيرين يعيشون في لندن أو باريس بأجسادهم، بينما عقولهم لا تزال محبوسة في فضاءاتهم الأولى.
لذا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في "الانسلاخ" التام عن الهوية، لأن التخلي الكلي عن الجذور يؤدي إلى ضياع المعنى، بل التحدي هو في ممارسة "الوعي النقدي"، والاندماج الحقيقي يتطلب تحولاً هيكلياً يبدأ بمساءلة المسلّمات وإعادة تفكيك البنية الفكرية الموروثة. إنها عملية غربلة شجاعة، يختار فيها الإنسان بوعي ما يستحق الاحتفاظ به من إرثه، وما يجب تجاوزه لكي يفسح مجالاً لنمو رؤيته الخاصة، المستقلة عن سطوة "الرقيب" القديم وصرامة القوالب الجديدة.
هذا "التحرر الرمزي" هو ما يمنح تجربة الانتقال قيمتها الحقيقية، ويحولها من مجرد انتقال سطحي بين فضاءين إلى تجربة تحوّل إنساني شامل، فعندما يخرج "المكان" من داخل الإنسان، يبدأ في رؤية العالم بعينيه هو، لا بعيون المجتمع الذي غادره حينها فقط، يتوقف العالم الجديد عن كونه "تهديداً" للهوية، ليصبح "فضاءً" لتعريفها وإعادة بنائها، وتتحول الغربة من حالة شتات وضياع إلى منصة للحرية والاستقلال الفكري.
إن تغيير الموقع في العالم قد يمنحك الأمان أو الرفاهية، لكنه لن يمنحك "الخلاص" ما لم تقرر خوض الرحلة الأصعب: رحلة تغيير العالم الذي يسكنك، كما ان الانتماء الحقيقي لا يكون لمكان ما، بل لتلك الحالة من التصالح بين ماضينا الذي شكّلنا وحاضرنا الذي اخترناه؛ فالحرية لا تبدأ عند عبور الحدود الدولية، بل تبدأ حين تسقط الحدود داخل وعينا، لنمشي في منافينا بقلوب أخف، وعقول أكثر انفتاحاً على الممكن.