فيصل النجداوي : د.محمد صالح الطراونة العقل الإكتواري الذي صان أمان الأردنيين وسط عواصف التشكيك
بقلم فيصل اسامة محمد صالح النجداوي
في المشهد العام، هناك رجالٌ تُبنى مواقفهم على الكلمة، وهناك رجالٌ تُبنى مواقفهم على الرقم. وبينما تذهب الكلمات مع الريح، تبقى الأرقام شاهدةً على الحصافة وبُعد النظر. وحين نتحدث عن العلم الإكتواري في الأردن، يبرز اسم الدكتور محمد صالح الطراونة، ليس كمسؤول سابق فحسب، بل كمرجعية علمية صلبة، خاضت غمار أصعب التحديات في المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي في وقتٍ كان فيه التوازن بين الشعبوية و الاستدامة ضرباً من الخيال.
لقد عُرف عن الدكتور الطراونة، خريج المدرسة الأكاديمية الأمريكية العريقة، نهجه المتجانس الذي يجمع بين الدقة الرياضية الصارمة وبين الفهم العميق للواقع الاجتماعي الأردني. لم تكن الدراسات الإكتوارية في عهده مجرد أوراق تُرفع في التقارير السنوية، بل كانت بوصلة نجاة لمؤسسة تحمل على عاتقها مستقبل ملايين المشتركين. كان يدرك بذكائه المعهود أن أي خلل في تقدير الالتزامات المستقبلية يعني ضياع حقوق الأجيال القادمة، فآثر أن يكون حارساً أميناً على الصندوق، حتى وإن كلفه ذلك صداماً مع محاولات التجميل اللحظي على حساب الأمان الاستراتيجي.
إن ما تعرض له الدكتور الطراونة خلال فترة إدارته لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل كان في جوهره ظلم الكفاءة . ففي بيئات العمل التي قد تُغلب الحسابات الآنية، يغدو الخبير الذي يواجه الجميع بالحقيقة الإكتوارية الصادمة شخصاً غير مرغوب في تيسير حلوله . لقد دفع الطراونة ضريبة تمسكه بالمعايير العلمية الدقيقة، ورفضه تمرير قرارات قد تبدو براقة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها ألغاماً إكتوارية تهدد استدامة الضمان. كان حصيفاً في قراءته، دقيقاً في حساباته، ومتسقاً مع مبادئه العلمية التي لم يساوم عليها يوماً.
حين يخرج التساؤل اليوم عن غياب الخبراء الأردنيين القادرين على صياغة مستقبل الدول إكتوارياً، فإن الإجابة تكمن في مسيرة محمد صالح الطراونة. إن القول بأننا نحتاج لاستيراد العقول هو تجنٍ واضح على قامة وطنية لم تكتفِ بالتنظير، بل أدارت فعلياً أحد أعقد الأنظمة التأمينية في المنطقة العربية. إن أبو الدراسات الإكتوارية في الأردن، كما يلقبه رفاق المهنة، يمثل النموذج الحي للخبير الذي يمتلك الشرعية العلمية والقدرة التنفيذية، وهو الذي وضع بصمته في مفاصل العمل الإكتواري التي لا تزال المؤسسة تسترشد بها حتى اليوم.
إن الدكتور محمد صالح الطراونة يمثل الحالة الأردنية الأصيلة؛ كفاءة فذّة، وعلم غزير، وصمت المترفعين عن الجدل. إن إنصاف هذا الرجل ليس ترفاً، بل هو اعتراف بأن الدولة القوية هي التي تعظم خبراءها وتحميهم من عواصف القرارات المتسرعة. يبقى الطراونة الرقم الصعب في معادلة الضمان الاجتماعي، والشاهد الحي على أن الأردن ولّاد للكفاءات التي لو أعطيت مساحتها من التقدير والحرية، لكانت هي المرجعية الأولى لا في الوطن فحسب، بل في الإقليم بأكمله.