نضال منصور : هل تأسيس "ناتو عربي إسلامي" ضرورة ممكنة؟
في كلام يُعتبر جريمة حرب في القانون الدولي، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أنّه سيُعيد إيران إلى العصر الحجري ما لم تخضع لشروطه. صمدت طهران نحو 40 يوماً في الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها، وأبدت قدرةً على الردّ لم تتوقف، ولم يستسلم النظام السياسي رغم فداحة الخسائر. الحقيقة التي لم يتعلّمها الرئيس ترامب، ولا يريد رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يُقر بها، أنّ الشعوب لا تُهزم، والدول مهما لحقها من دمار لا تزول من الخريطة. هكذا كانت النتيجة بعد أكثر من عامَين على حرب الإبادة في غزّة، وهكذا ستكون النتيجة في إيران، ومهما تدمّر من بنية تحتية فإنّ حضارة عمرها آلاف السنين لن تنتهي، ولن تُمحى، وستظلّ قادرةً على إثبات وجودها. رغم هدنة الأسبوعَين، لم تنته الحرب رسمياً، وما أُعلن مبدئياً وقف مؤقّت لإطلاق النار، وفتح فوري لمضيق هرمز، واستكمال للمفاوضات عبر الوسيط الباكستاني.
( إحياء فكرة "الناتو العربي – الإسلامي" قد يكون مخرجاً لإعادة بناء
منظومة للأمن الإقليمي بعيداً من الاستقطابات )
قبل إعلان تمديد المهلة كانت الأسئلة، والتكهّنات مرتبطةً بمبادرة إسلام أباد، والمعلومات المتقاطعة كانت تقول إنّ إيران تريد وقفاً دائماً للحرب مع ضمانات، وتطالب برفع العقوبات، وإعادة الإعمار مع تعويضات عن الدمار الذي سبّبته الحرب، وتلتزم من جانبها تأمين الملاحة في مضيق هرمز، مع وضع بروتوكول لحرّية الملاحة فيه. تفاوض أميركا تحت النار والتهديد، وإيران تفاوض للصمود وكسب الوقت، والوسطاء سواء، الباكستانيون أو غيرهم، يحاولون منع الانفجار لتقليص الآثار المدمّرة للحرب على الاقتصاد والسلم العالميين.
تفيد صحيفة واشنطن بوست بأنّ الإدارة الأميركية تمارس سياسة العصا والجزرة؛ تلوّح بالقوة العسكرية وتترك الباب مفتوحاً للتسويات والصفقات. والرئيس ترامب يقول: "أنا رجل أعمال، وأريد النفط الإيراني، وهذا غنيمة للمنتصر". بعد هذه التصريحات الفجّة والمباشرة، تبدو التحليلات عن أسباب الحرب متهافتة، والحديث عن التهديدات النووية ليس أكثر من كلام فارغ. القناعة في الأوساط السياسية أنّ المفاوضات، مهما اتخذت طابعاً جدياً، فإنّها إدارة للأزمة أكثر منها تسويةً نهائيةً، وهي قابلة للانهيار في أيّ لحظة. الهدنة المؤقّتة والوقف الفوري للحرب مخرجٌ مقبولٌ للطرفَين، يعطيان طهران فرصةً لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب بيتها الداخلي. وفي واشنطن، وقف الحرب، ولو مؤقّتاً، فرصة للرئيس الأميركي للنزول عن الشجرة، والاحتفال بالنصر على طريقته الخاصّة، كما يفعل دائماً، ويُظهر غلاف مجلة التايم ترامب ممسكاً بخريطة إيران ويبحث عن مخرج.
ستنتهي الحرب، وسيكون السؤال: ما هي تداعياتها في العالم العربي؟ وماذا ستفعل دول الخليج التي أصبحت تحت مرمى النيران؟ وما هو شكل العلاقة المستقبلية مع إيران؟ وما هو الموقف الخليجي من الشراكة مع الولايات المتحدة، واستمرار وجود القواعد الأميركية؟... تكشف حقائق الحرب أنّ الغطاء الأميركي لم يوفّر حمايةً وملاذاً آمناً لدول الخليج. كذلك، فإنّ الثقة المحدودة أصلاً في القيادة الإيرانية تزعزعت كثيراً، ورأبها ليس سهلاً، حتى عند أكثر الدول الخليجية قرباً منها مثل سلطنة عُمان التي لم تسلم من صواريخ طهران ومسيّراتها. كما أنّ صمود إيران، وعدم سقوط نظامها، يعنيان أنّها كرّست وجودها لاعباً إقليمياً قوياً، ممّا يقتضي البحث عن المشتركات، والتفاهم معها.
( قد يكون "الناتو العربي – الإسلامي" بديلاً من المظلّة الأمنية الأميركية )
تؤكد ورقة تقدير موقف نشرها مركز تقدّم للسياسات أنّ الحرب كشفت خللاً بنيوياً في منظومة الأمن الخليجي وأظهرت ثغرات، أبرزها تراجع مفهوم الردع التقليدي. فالوجود العسكري الأميركي لم يحمِ البنية التحتية في دول الخليج العربي من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، والثغرة الثانية سمّاها "معادلة الكلفة من دون التأثير"، إذ تدفع دول الخليج كلفةَ التصعيد والصراعات أمنياً واقتصادياً من دون أن يكون لها إسهام رئيس في القرار. والثغرة الثالثة، أنّ الضمانات الأمنية الأميركية تفتقر إلى الإلزام، والدرس المستفاد: أنّ الصيغة القديمة "الحماية مقابل التحالف" في طريقها إلى التقييم وإعادة النظر، وربّما يكون العنوان الجديد شراكة في إدارة المخاطر.
الأمن العربي برمته قيد التهديد، وهذا لم تكشفه الحرب على إيران وصواريخ طهران التي ضربت مدناً عربية فحسب، وإنّما سبقت هذا العقيدة الصهيونية التي تعبّر عن نفسها بوقاحة في عهد نتنياهو وحلفائه من اليمين الإسرائيلي المتطرّف، الذين لا يريدون الهيمنة على الشرق الأوسط فقط، بل التوسّع للسيطرة المباشرة. والشواهد على ذلك كثيرة، تبدأ في الضفة الغربية ولا تنتهي بتهديد الأردن أو احتلال مساحات واسعة في سورية ولبنان، ووثائق صهيونية أخرى تتحدّث عن التمدّد في العراق والخليج.
قد يكون إحياء فكرة "الناتو العربي – الإسلامي" مخرجاً لإعادة بناء منظومة للأمن الإقليمي بعيداً من الاستقطابات. هذا الاتجاه ليس لمواجهة إيران كما كان يطمح ترامب في ولايته الرئاسية الأولى، حين دعا إلى تشكيل "ناتو شرق أوسطي" يضمّ إسرائيل للتصدّي لطهران، ولا هو حالة مشابهة للتحالف الإسلامي الذي قادته السعودية، وضمّ 40 دولة لمكافحة الإرهاب، بل استحقاق يبدو مختلفاً في بوصلته. في الذاكرة نماذج غير مبشرة لم تلقَ نجاحاً؛ فقوات درع الجزيرة لم تفعل شيئاً، واتفاقية الدفاع العربي المشترك المنبثقة من الجامعة العربية بقيت حبراً على ورق، وقوات الردع العربية في لبنان كانت كارثةً على الشعب اللبناني، وتحوّلت إلى احتلال سوري طويل الأمد.
يحتاج "ناتو عربي إسلامي" ظروفاً مغايرةً لينضج، مثلما يحدث حالياً، وقد يكون التحالف الرباعي (السعودية، ومصر، وتركيا، وباكستان) نواةً يُبنى عليها في المرحلة الأولى، وتلعب دوراً تنسيقياً سياسياً، لكنّها تملك أرضيةً قويةً للتحوّل إلى تحالف استراتيجي عسكري – أمني يضمّ تحت مظلّته دولاً عربية وإسلامية. والتدقيق في التفاصيل يكفي لاستقراء عوامل القوة: باكستان قوة نووية، تركيا مصنع عسكري مهمّ، السعودية ثقل اقتصادي وازن، ومصر حضور سياسي وجيش قوي.
نشأ حلف شمال الأطلسي (الناتو) في الغرب لمواجهة تهديدات الاتحاد السوفييتي، وقد يكون "الناتو العربي – الإسلامي" بديلاً من المظلّة الأمنية الأميركية، وقوة ردع إقليمية. والوصفة لتحقيق النجاح: الاتفاق أولاً على مصدر التهديد، ووجود قيادة موحّدة، والحدّ من تضارب المصالح، وبناء تفاهم سياسي للأولويات بشكل غير ملتبس.
( واشنطن لن تفرّط في مصالحها وسطوتها بسهولة، ولن تترك العالم العربي والإسلامي
يبني منظومته للأمن الاستراتيجي بمعزل عنه )
يقول وزير الخارجية المصري الأسبق، والأمين العام لجامعة الدول العربية الأسبق، عمرو موسى، "أيّ نظام أمن جماعي عربي لن ينجح ما لم تقم ركائزه على توافق سياسي حقيقي، لا ردّات فعل ظرفية"، وتجربة الحرب على إيران أثبتت هشاشة منظومة الأمن العربي وفشل التحالفات الدولية في منع وقوع الضرر على الدول العربية، وكانت النتيجة المباشرة أنّ العالم العربي يدفع أعلى فاتورة للحرب بعد إيران. فالمراجعات السياسية والأمنية في العالم العربي بعد الحرب ضرورةً وليست ترفاً. وهناك خبراء يقولون، قد لا نستطيع الانفكاك من التحالف مع واشنطن وإدارة الظهر لها، ولكن قد يكون ممكناً إعادة النظر في إدارة ملفّ القواعد العسكرية لتقليل دورها الهجومي، وفرض قيود على استخداماتها.
والرهانات: لو نجح تأسيس تحالف عسكري عربي – إسلامي، فإنّه قد يتولّى مستقبلاً تطوير أنظمة دفاع صاروخي مشترك، وحماية المنشآت النفطية، وتعزيز الأمن السيبراني. ويمكن في الوقت ذاته، أن يبدأ حواراً متوازناً ومتكافئاً مع طهران لا تحكمه مخاوف السيطرة والعدوان، بل يرسّخ أنّ الجغرافيا قد تكون محكومة بحسن الجوار، لا نقمةً أزليةً دائمةً.
تسود في التجارب العربية لغةُ التشاؤم من العمل المشترك، وحتى تجربة دول مجلس التعاون الخليجي تعرّضت لشرخ عميق في السنوات الماضية. والحقيقة أنّ واشنطن لن تفرّط في مصالحها وسطوتها بسهولة، ولن تترك العالم العربي والإسلامي يبني منظومته للأمن الاستراتيجي بمعزل عنها، هذا متوقّع، لكنّ المخاطر والتهديدات التي لا يمكن التنبّؤ بها في عهد الرئيس الأميركي ووجود نتنياهو تفرض جراحات قسرية عاجلة، وإلا قد تعصف رياح التغيير بها تحت مسمّيات مختلفة، كما حدث في "الربيع العربي".
ــ العربي الجديد