اسماعيل الشريف : حين خذل الذهب أصحابه.. صدمة النفط والدولار
كان الذهب يلمع في العيون قبل أن يُلمَس، وتتحوّل القلوب أمامه إلى شيءٍ آخر؛ شيءٍ لا يعرف القناعة، ولا يشبع مهما امتلأت اليدان، كأنّ لمعانه وعدٌ خفيّ بالخلود، أو نجاةٌ موهومة من فقرٍ لا ينتهي، من رواية أبناء القلعة، غالب هلسا.
عندما منح ترمب إيران مهلةً مدتها 48 ساعة لفتح مضيق هرمز، بدا من المنطقي وفق أبسط قواعد الاقتصاد أن ترتفع أسعار الذهب والفضة؛ فهذه من البديهيات التي بذل أساتذتنا جهدًا كبيرًا لترسيخها في أذهاننا، وقد بدت الأزمة حينها فرصةً واعدة للحالمين بالدخول إلى السوق وشراء هذين المعدنين. غير أن ما حدث جاء معاكسًا تمامًا لكل ما تعلمناه؛ إذ شهدت أسعار الذهب والفضة انخفاضًا حادًا، حيث تراجع الذهب بنسبة 7 %، والفضة بنسبة 11.5 %، ما ألحق خسائر كبيرة بالمضاربين الصغار، بلغت في كثير من الحالات رؤوس أموالهم.
لم يُعلِّمنا أساتذتنا سامحهم الله أن هناك عاملًا آخر بالغ الأهمية ينبغي أخذه في الحسبان، وهو النفط. فبسبب إغلاق مضيق هرمز واستهداف البُنى النفطية، ارتفع سعر النفط إلى ما يزيد على 110 دولارات، ما أدى إلى موجة تضخم كبيرة. وكان من المفترض وفق ما تعلمناه أن ترتفع أسعار الذهب، بوصفه ملاذًا يحمي المستثمرين من التضخم. غير أن البنوك المركزية سارعت إلى رفع أسعار الفائدة؛ ومع ارتفاعها، تصبح السيولة والسندات أكثر جاذبية من الذهب، الذي لا يدرّ عائدًا. وهنا أقدم المستثمرون الكبار الذين لم يتلقّوا دروسهم على أيدي أساتذتنا على بيع الذهب والتوجّه نحو الدولار.
وهنا تكمن المفارقة الصادمة، التي اصطلح على تسميتها بـ»صدمة النفط»: فالحرب، بدلًا من أن تدفع الذهب إلى الارتفاع، جعلت النفط باهظ الكلفة إلى حدّ أسهم في خفض أسعار الذهب. ويُضاف إلى ذلك صدمةٌ أخرى تمثّلت في انهيار الأسواق المالية نتيجة حرب ترمب؛ إذ تكبّدت الأسواق خسائر بمليارات الدولارات، ما فرض حاجةً ملحّة لتوفير السيولة. وكان من بين أفضل الأصول القابلة للتسييل المعادن الثمينة، وعلى رأسها الذهب، لسهولة بيعه وسرعة تحويله إلى نقد، فاندفع المستثمرون إلى بيعه لتغطية خسائرهم، ما أدى إلى زيادة المعروض منه في الأسواق، وبالتالي انخفاض أسعاره.
ثم جاءت الضربة القاضية من الدولار؛ إذ إن النفط يُسعَّر به، ومع ازدياد الطلب على النفط يرتفع الطلب على الدولار، ما أدى إلى صعوده إلى مستويات قياسية. وعندما يقوى الدولار، تتراجع أسعار الذهب، فيتحوّل هو إلى الملاذ الآمن بدلًا من الذهب.
أما الفضة، فقد كانت خسائرها أشدّ قسوة على صغار المستثمرين؛ إذ لم تعد مجرد معدنٍ ثمين، بل عنصرًا صناعيًا أساسيًا يدخل في الألواح الشمسية والإلكترونيات والسيارات الكهربائية. ومع ارتفاع أسعار النفط، دخلت هذه الصناعات في حالة ركود، ما انعكس سلبًا على الطلب على الفضة، إذ تباطأت المصانع، بل وتوقّف بعضها، فتراجع الطلب وانخفضت الأسعار.
وعندما لا يعود الذهب هو الملاذ الآمن في أوقات الحروب، فاعلم أن الأسواق تعيش حالة ارتباك عميق، وأنها لا ترى نهاية قريبة لهذه الحرب. وفي حربٍ تستهدف البنية التحتية للطاقة، تتهاوى كثير من النظريات الاقتصادية التقليدية، ويبرز مؤشر خطير على أن الاقتصاد العالمي مقبل على ركودٍ عميق وطويل الأمد.