الأخبار

د. خالد الشقران : الأردن أنموذج يتفوق بالأزمات

د. خالد الشقران : الأردن أنموذج يتفوق بالأزمات
أخبارنا :  

تتعاقب الأزمات في الإقليم والعالم بوتيرة تكاد تعيد تعريف مفهوم الدولة المتمكنة، وتفرض اختبارا قاسيا على كفاءة المؤسسات وصلابة القرار، من جائحة كورونا التي شلت الاقتصاد العالمي وأربكت سلاسل التزويد، إلى الحرب على غزة بما حملته من توترات عميقة وانعكاسات على الأمن الإقليمي، مرورا بالمواجهة المحدودة التي استمرت اثني عشر يوما بين إيران وإسرائيل، وصولا إلى التصعيد المركب الذي انخرطت فيه الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل في مواجهة مفتوحة مع إيران، تشكلت بيئة دولية مضطربة تتداخل فيها الأزمات الصحية مع الصراعات العسكرية والاختناقات الاقتصادية، في هذا السياق، برز الأردن بوصفه نموذجا متقدما في إدارة الأزمات، حيث لم ينكفئ أمام الضغوط، بل أعاد توظيفها ضمن مسار يحقق السبق ويعزز منعته السياسية والاقتصادية.

في ذروة جائحة كورونا، حين انهارت أنظمة صحية واقتصادية في دول كبرى، أدار الأردن الأزمة بمنهجية مؤسسية صارمة، ضمنت استمرارية الدولة وحماية المجتمع، حيث تم تأمين المخزون الاستراتيجي من الغذاء والدواء، واستمرت سلاسل التزويد دون انقطاع، في وقت كانت فيه الأسواق العالمية تعاني من نقص حاد واضطرابات واسعة، وفي واقع الأمر أن هذه القدرة كانت تعبيرا عن بنية إدارية قادرة على التحرك السريع، وتوازن دقيق بين متطلبات الصحة العامة واستمرارية النشاط الاقتصادي.

ومع انتقال المنطقة إلى مرحلة الصراعات المفتوحة، فرضت الحرب على غزة وما تلاها من تصعيدات متلاحقة واقعا جديدا عنوانه عدم اليقين، خاصة بعد أن انعكست هذه التطورات على أسواق الطاقة، ورفعت كلف النقل، وهددت طرق التجارة، إلا أن الأردن حافظ على استقرار جبهته الداخلية، مستندا إلى سياسات تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، وإدارة فعالة لحركة الاستيراد والتصدير، وقد منعت هذه المعادلة حدوث اختناقات في السوق، وحافظت على تدفق السلع الأساسية دون اضطراب.

وخلال المواجهة التي استمرت اثني عشر يوما بين إيران وإسرائيل، والتي أعادت طرح احتمالات الانزلاق نحو حرب إقليمية واسعة، أظهر الأردن قدرة عالية على امتصاص الصدمة، عبر رفع الجاهزية المؤسسية، وتعزيز التنسيق الأمني والسياسي، مع الحفاظ على خطاب سياسي متزن يستند إلى القانون الدولي، وقد شكل هذا التوازن بين الحزم الداخلي والانضباط الخارجي ركيزة أساسية في حماية الاستقرار الوطني.

ومع اتساع رقعة التصعيد وانخراط الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل في مواجهة مفتوحة مع إيران، وما رافقها من تهديد مباشر للممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية، برزت أهمية البنية الاقتصادية الأردنية وقدرتها على الصمود مجددا، حيث وفر الاحتياطي الأجنبي الذي فاق 28 مليار دولار مظلة أمان نقدية، مكنت الدولة من تغطية مستورداتها لفترات مريحة، وضمان استمرارية تدفق الغذاء والدواء وإمدادات الطاقة، رغم انقطاع إمدادات الغاز وبلوغ الاضطرابات في الأسواق العالمية ذروتها.

هذا الأداء في إدارة الأزمات انعكس بوضوح على المؤشرات الاقتصادية، حيث واصل الاقتصاد الأردني تحقيق نمو مستقر وصل إلى 3%، مع ارتفاع الصادرات الوطنية بنسبة تجاوزت 7%، واستمرار تدفقها إلى الأسواق الخارجية دون انقطاع، كما شهدت الاستثمارات الأجنبية نموا ملحوظا، في دلالة على ثقة المجتمع الدولي بصلابة الاقتصاد الوطني وقدرته على التكيف مع المتغيرات، وفي الوقت ذاته، سجلت بورصة عمّان مستويات متقدمة، وارتفع النشاط الاقتصادي في مختلف القطاعات، ما يعكس حيوية البيئة الاستثمارية.

القطاعات الإنتاجية شكلت بدورها رافعة أساسية لهذا الثبات، حيث تطور الأداء الصناعي، وتحسن القطاع الزراعي، وتوسعت قاعدة الأعمال مع زيادة ملحوظة في تسجيل الشركات، وفي السياحة التي تعد من أكثر القطاعات تأثرا بالأزمات، حقق الأردن نتائج لافتة، مع ارتفاع العائدات إلى نحو 7.8 مليار دولار وزيادة أعداد الزوار بشكل كبير، ما يعكس استعادة الثقة الدولية بالوجهة الأردنية رغم التوترات الإقليمية.

أما في مجال التكنولوجيا والابتكار، فقد واصل الأردن تقدمه في مؤشرات التنافسية العالمية، معززا موقعه كاقتصاد يسير تدريجيا نحو المعرفة، ويستثمر في رأس المال البشري كأداة رئيسية للصمود والنمو، هذا التوجه يعكس وعيا استراتيجيا بأن المستقبل لا يبنى على إدارة الأزمات فقط، بل على تحويلها إلى فرص لإعادة الهيكلة والتحديث.

سياسيا، حافظ الأردن على ثبات مواقفه، مستندا إلى رؤية واضحة توازن بين حماية المصالح الوطنية والانخراط المسؤول في القضايا الإقليمية عبر طروحاته وجهوده الساعية لحل الأزمات من خلال الأطر الدبلوماسية والقانونية بعيدا عن الحروب والصراعات، هذا الثبات عزز مكانته كشريك موثوق، ومكّنه من الاستمرار في بناء علاقات دولية متينة، واستكمال عمليات البناء والتطوير وبرامج الإصلاح السياسي والاقتصادي بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية، ما وفر دعما إضافيا لمسار الاستقرار والنمو متعدد المجالات.

ما يتكشف من هذه التجربة أن النموذج الأردني يقوم على معادلة دقيقة تجمع بين صلابة القرار ومرونة التنفيذ، وبين إدارة الأزمات واستثمار نتائجها، إضافة إلى القدرة على تأمين احتياجات المواطنين، والحفاظ على استمرارية الدولة، ومواصلة البناء في مختلف القطاعات، كل ذلك يعكس قدرة كبيرة لدولة ذات منهج راسخ تدير التحدي بعقل استراتيجي، لا بردود فعل مؤقتة.

إن ما تحقق يضع الأردن في موقع متقدم، جاء كنتيجة طبيعية لإرادة سياسية صلبة، ووعي جماعي، واستثمار مدروس لكل فرصة تتيحها الأزمات، لأن الدول التي تتفوق في الأزمات لا تكتفي بالنجاة، بل تصنع مستقبلها وتفرض حضورها في معادلات، وعليه فإن المسؤولية الوطنية اليوم تفرض علينا جميعا وكل من موقعه البناء على هذا المسار، وتعميق منجزاته، وتحويل الثقة الدولية إلى شراكات استراتيجية طويلة الأمد، وتعزيز الاعتماد على الإنتاج الوطني، وتوسيع قاعدة البناء والتطوير والإنتاج والابتكار متعدد الاتجاهات والجوانب. ــ الراي

مواضيع قد تهمك