الأردن يواجه تداعيات الحرب بخطط اقتصادية متدرجة لتعزيز منعته
عبدالرحمن الخوالدة
عمان -في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة، ومع اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، تجد دول المنطقة نفسها أمام واقع اقتصادي شديد التعقيد، يفرض عليها التحرك السريع لتفادي ارتدادات أزمة مفتوحة على احتمالات واسعة. وفي مثل هذه الظروف، تصبح خطط الطوارئ الاقتصادية أداة أساسية ليس فقط لاحتواء الصدمات، بل لضمان استمرار الحد الأدنى من الاستقرار في الأسواق وحماية معيشة المواطنين.
الأردن، كغيره من دول الإقليم، لم يكن بمنأى عن هذه التداعيات، إذ فرضت الحرب ضغوطا مباشرة وغير مباشرة على مفاصل الاقتصاد الوطني، بدءا من أسعار الطاقة وصولا إلى حالة الترقب التي تسيطر على الأسواق. وفي مواجهة ذلك، أعلنت الحكومة عن تبنيها نهجًا قائمًا على إعداد خطط اقتصادية متعددة ومتدرجة، يتم تفعيلها تبعًا لتطورات المشهد الإقليمي، في محاولة لاحتواء الآثار السلبية ومنع انتقالها بشكل حاد إلى الداخل.
وفي ظل المخاطر والضغوط الاقتصادية الكبيرة التي خلفتها الحرب الحالية على دول الإقليم كافة بما فيها الأردن، أعلنت الحكومة عن اعتمادها أكثر من خطة لمواجهة تداعيات الحرب في المنطقة، سيتم التدرج في تطبيقها بما يتوافق مع سيناريوهات تصاعد الأزمة.
غير أن السؤال الأهم يبقى، إلى أي مدى تستطيع هذه الخطط فعليا تحصين الاقتصاد الوطني من عدم التضرر البالغ، والحد من انتقال آثار الأزمة إلى الداخل؟
وأكد خبراء اقتصاديون أن تبني الحكومة لخطط متعددة ومتدرجة للتعامل مع تداعيات الأزمة الإقليمية يعكس نهجا حذرا وواقعيا في إدارة المخاطر، قائما على التكيف مع حالة عدم اليقين، واحتواء الصدمات الاقتصادية دون الإضرار بمسار النمو أو الاستقرار الداخلي.
وأوضحوا في تصريحات لـ"الغد" أن هذه المقاربة تساهم في تخفيف الضغوط على الأسواق المحلية والمواطنين، والحد من انعكاسات ارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات سلاسل التوريد، مع الحفاظ على ثقة المواطنين والمستثمرين، مشددين على أن نجاحها مرهون بقدرة الحكومة على التنفيذ الفعلي والتدخل في التوقيت المناسب.
ودعوا إلى ضرورة توسيع نطاق هذه الخطط لتتجاوز إدارة الأزمة الآنية، عبر التركيز على تعزيز الإنتاج المحلي ودعم القطاع الصناعي، وتنويع مصادر الطاقة والتوريد، ورفع كفاءة البنية التحتية الاقتصادية، بما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود في مواجهة الأزمات الممتدة.
خطط متعددة
وكان وزير الدولة للشؤون الاقتصادية، مهند شحادة، أكد أن الحكومة ارتأت أن التروي والتدرج هو الأساس لاتخاذ القرارات الاقتصادية في مواجهة الظروف الإقليمية الحالية، مبينا أنه لا يوجد لدينا أي إشكاليات في سلاسل التوريد، وننتقل في عملية التنفيذ من خطة إلى أخرى كلما ارتفع تأثير الحرب.
وبين في تصريحات صحفية مؤخرا، أن الوضع الاقتصادي يسير بانسيابية، ولدينا خطط للتعامل مع تبعات الحرب، لكن من غير المعروف متى ستنتهي، لذلك فإن التدرج في اتخاذ القرار هو الأساس، وكذلك اتخاذ ردود فعل سريعة كلما لزم الأمر".
وقال إن هذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها الاقتصاد الأردني لمؤثر خارجي، فخلال الـ 25 سنة الماضية كانت هنالك الأزمة المالية العالمية وحرب العراق وجائحة كورونا، وكل من راهن على قدرة الاقتصاد الأردني كسب، فاقتصادنا مرن وقادر على استيعاب الأزمات والخروج منها أقوى، فقيادتنا حكيمة وشعبنا واع..
وأضاف شحادة اليوم أمامنا خيارين: وضع خطة قصيرة وعاجلة تتضمن مراقبة الاحتياطي الغذائي والمواد الأولية والأسواق واستمرار سلاسل التوريد، أو إغلاق القطاعات والتدريس عن بعد واتباع نظام الفردي والزوجي وخنق الاقتصاد الذي قد يؤدي إلى تراجع في معدلات نموه كما حدث في جائحة كورونا. وفي ضوء أن المتغيرات ديناميكية لجأنا إلى الخيار الأول واتخذنا جملة من القرارات التي تحمي المواطن وتضمن استمرار وتيرة النمو الاقتصادي، فمنعنا تصدير أي منتجات أساسية لأن أولويتنا المواطن الأردني، وعملنا تفاهمات مع دول أخرى لاستخدام الموانئ مثل ميناء طرطوس في سورية وكذلك موانئ مصر، وعدم إخضاع رسوم جمركية على الزيادة التي طرأت على رسوم الشحن، ووجهنا دائرة الجمارك لتفعيل الخط الأخضر بشكل أفضل وفعال في التخليص على المواد التموينية لضمان انسياب سلاسل التوريد.
وشدد شحادة على أن الحكومة لديها خطة " أ " و" ب" و "ج" وننتقل من خطة إلى خطة كلما ارتفع تأثير الحرب.
إدراك رسمي لعدم احتمال إدارة الأزمة للارتجال وردود الفعل المتأخرة
وقال مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والاجتماعية أحمد عوض، إن وجود خطط حكومية متدرجة للتعامل مع تداعيات الحرب والتوترات الإقليمية يمثل ضرورة اقتصادية ووطنية في هذه المرحلة، لأنه يعكس وجود إدراك رسمي بأن إدارة الأزمات لا تحتمل الارتجال أو ردود الفعل المتأخرة.
وأوضح عوض أن أهمية هذه الخطط لا تكمن فقط في بعدها التنفيذي، بل أيضا في كونها توفر إطارا مرنا للتحرك بحسب مستوى تطور المخاطر، وتمنح صانع القرار قدرة أكبر على التدخل في الوقت المناسب لحماية السوق المحلية، وضمان انسياب سلاسل التوريد، والحفاظ على الاستقرارين الاقتصادي والاجتماعي.
وبين أن الإعلان عن وجود خطط للتعامل مع الظروف الراهنة يعزز الثقة العامة، ويبعث برسالة طمأنة للمواطنين وللقطاع الخاص بأن الدولة تتابع المشهد وتتحرك وفق رؤية واضحة تأخذ في الاعتبار حساسية الظرف الإقليمي.
ويرى عوض أن هذه الخطط تستطيع أن تحد بدرجة مهمة من انتقال آثار الأزمة إلى الداخل، لكنها لا تستطيع أن تعزل الاقتصاد الوطني بالكامل عن التداعيات الخارجية، حيث أن الاقتصاد الأردني جزء من اقتصاد إقليمي ودولي مفتوح، ويتأثر بحركة أسعار الطاقة والشحن والتجارة، وبالتالي فإن المطلوب واقعيا ليس منع الآثار بشكل كامل، وإنما تقليصها واحتواؤها ومنع تحولها إلى موجات تضخم واسعة تمس حياة الناس مباشرة.
وأشار عوض إلى أنه إذا نجحت الحكومة في الاستمرار بسياسات امتصاص جزء من صدمة الطاقة، وضبط الأسواق، وتشديد الرقابة، وتوفير المخزون، وتسهيل حركة الاستيراد والتخليص، فإنها ستكون قد خففت كثيرا من الضغوط على الأسر وعلى كلف الإنتاج والنقل والخدمات، وهذا بحد ذاته إنجاز مهم في ظل ظرف إقليمي مفتوح على احتمالات صعبة. مؤكدا أهمية أن لا تبقى هذه الخطط محصورة في إدارة الصدمة الآنية فقط، بل يجب أن تتحول أيضا إلى مدخل لتعزيز عناصر الصمود الاقتصادي على المدى المتوسط والبعيد.
وشدد عوض على ضرورة أن ينصب التركيز على عدة أولويات رئيسية، في مقدمتها أمن الطاقة، ليس فقط من حيث تأمين الإمدادات التقليدية، بل أيضا من خلال تسريع التحول نحو استخدام الطاقة البديلة والمتجددة، بما يخفف من انكشاف الاقتصاد الأردني على تقلبات الخارج، إضافة إلى وجوب تعزيز الأمن الغذائي والمخزون الإستراتيجي، وتقوية منظومة الحماية الاجتماعية لتكون أكثر قدرة على الوصول إلى الفئات الأكثر تضررا من الأزمات، فضلا عن دعم القطاعات الإنتاجية المحلية، خاصة الزراعة والصناعة، لأنها تشكل خط الدفاع الأول في مواجهة الاضطرابات الخارجية.
دعم القطاع الصناعي والإنتاج الداخلي ضرورة اقتصادية ووطنية
من جانبه أكد الخبير الاقتصادي مفلح عقل أنه يحسب للحكومة تحركها منذ بداية الأزمة على كافة الاتجاهات، حيث توالت الإجراءات والقرارات التي تصب في تعزيز الأمن الطاقوي والغذائي، وحماية القطاعات الاقتصادية كافة.
ولفت عقل إلى أن إعلان الحكومة وضعها أكثر من خطة للتعامل مع الأزمة التي يعيشها الإقليم، يشير إلى إدراكها لمدى المخاطر الاقتصادية التي قد تنجم عن هذا الصراع وتداعياته، لا سيما في ظل غياب أي أفق للحل قريبا، عدا عن حساسية المنطقة جغرافيا للاقتصاد العالمي باعتبارها أحد مصادر الطاقة الأكبر دوليا.
وأشار عقل إلى أنه من الواضح أن الشغل الشاغل للحكومة في هذه المرحلة، محاولة السيطرة على الاقتصاد الوطني وتقليص حدة تأثره بالأزمة وتجنيبه السيناريوهات القاسية من التداعيات، كالضغوط التضخمية وارتفاع الأسعار وتقطع سلاسل الإمداد، عدا عن الأمان الوظيفي في القطاعات الاقتصادية شديدة التأثر لا سيما السياحة.
واعتبر عقل بأن الحكومة أحسنت التصرف بعدم عكسها كامل قيمة الارتفاعات التي طرأت على أسعار المحروقات عالميا والتي تجاوزت 40 % دفعة واحدة، حيث سيتم تقسيم هذا الارتفاع بشكل متتالي على عدة أشهر، إذ تراوح الارتفاع لشهر نيسان (أبريل ) الحالي ما بين 9-14 %.
في المقابل يرى عقل بأن الحكومة مطالبة في التحرك السريع نحو دعم القطاع الصناعي والإنتاج الداخلي، لما له من دور في استدامة الأمن الغذائي والنشاط الاستهلاكي الداخلي، وضمان عدم حدوث ارتفاعات حادة في كلف الإنتاج المحلي ما قد ينعكس سلبا على المواطنين، داعيا إلى ضرورة الأخذ بالاعتبار زيادة كلف مكونات الإنتاج والتصنيع والتي في غالبها مستوردة.
رسالة طمأنة للمواطنين وثقة بالاقتصاد
بدوره اعتبر الخبير الاقتصادي وجدي المخامرة أن إعلان الحكومة عن وجود خطة متعددة لتعاطي مع الأزمة القائمة، يعكس رسالة طمأنة للمواطنين الأردنيين مع التركيز على الحفاظ على النمو الاقتصادي وعدم خنق الاقتصاد.
وأوضح أن أهمية هذه الخطط تكمن في التكيف مع حالة الغموض التي تكتنف هذه الأزمة حيث أن الحروب والأزمات الإقليمية مدتها غير معروفة، بالتالي فإن عملية التدرج في القرارات تسمح باتخاذ قرارات سريعة دون الالتزام بإجراءات قاسية مبكرا قد تساهم في التأثير سلبا على النشاط الاقتصادي، كما تساهم في تقليل الصدمات ومنع الذعر في الأسواق، والمحافظة على ثقة المستثمرين والمواطنين، وحماية القدرة الشرائية.
وبين المخامرة أن هذه الخطة توفر بعض الحصانات الجزئية للاقتصاد على المدى القصير والمتوسط، لكنها ليست حصانة كاملة، لأن الأردن اقتصاد مفتوح ومعتمد على عوامل خارجية كأسعار الطاقة، ورسوم الشحن، والسياحة، والدعم الخارجي.
وأشار المخامرة إلى أن من نقاط قوة هذه الخطة استنادا إلى الإجراءات التي أعلنتها الحكومة مؤخرا ،هي مراقبة المخزون الغذائي والمواد الأولية ومنع التصدير الأمر الذي سيؤدي إلى حماية السلع الأساسية محليا. كما أن تنويع طرق التوريد (موانئ سورية ومصر) وتسريع الجمارك يساهم في تسهيل سلاسل التوريد ومنع مخاطر الاختناقات. أضف إلى ذلك فإن امتصاص جزء من ارتفاع أسعار الطاقة من الاحتياطي وتحمل جزء من الأسعار يؤدي إلى عدم نقل كامل الصدمة للمواطن. كذلك تشديد الرقابة ودعم المؤسسة الاستهلاكية العسكرية يساهم في كبح التضخم الناتج عن الجشع أو نقص المواد الأساسية. ــ الغد