سارة طالب السهيل : من الذي غيّر إعدادات الكون؟ الرجل والمرأة (3-3)
إن مستقبل الأسرة لا يتوقف على من يعمل أكثر أو من ينفق أكثر، بل على من يفهم أكثر ويحتوي أكثر ويتحمل أكثر بوعي لا بإكراه. وحين يصبح الأمان قيمة مشتركة، والحب التزاماً متبادلاً، والاحترام أساساً لا يُمس، عندها فقط يمكن القول إننا لم نفقد التوازن، بل تعلمنا كيف نعيد ضبطه بنضج ومسؤولية.
وأحيانًا لا تنشأ الأزمة من العلاقة بين الزوجين فحسب، بل من امتداداتها العاطفية داخل العائلة. فبعض الأمهات، بدافع التعلق المفرط أو الخوف من فقدان مكانتهن في قلب الابن، يرفضن في العمق أن يحب ابنهن امرأة غيرهن، فيُسقِطن مخاوفهن على الزوجة ويشيطننَّ صورتها، ويزرعن في وعي الابن أن كل امرأة "أخذته" منهن إنما هي خصم أو تهديد. والمفارقة أن الزوجة قد لا تطالبه إلا بما طالبت أمه والده من مسؤولية واهتمام ورعاية، ومع ذلك يراها على باطل ويرى أمه على حق مطلق، لأنه لم يتحرر عاطفيًا من ثنائية الولاء، ولم يتعلم أن الحب لا يُقسَّم ولا يُنتزع، بل يتسع ويتوازن.
وفي المقابل، هناك من نشأ على يد أم كانت مثالًا للطيبة والحكمة، تحرص على أن تعلّمه معنى الاحتواء والمسؤولية واحترام شريكة الحياة، وتغرس فيه أن الرجولة ليست سلطة ظالمة بل أمان وعدل. غير أن الابن قد يرفض هذا الإرث القيمي، متأثرًا برفاق السوء، أو بصور مشوهة تبثها بعض وسائل الإعلام والمسلسلات والأفلام التي تسطح العلاقة وتحوّلها إلى صراع نفوذ، أو حتى بدافع بخل عاطفي ومادي يتخفى خلف شعارات الاستقلال والقوامة. في هذه الحالة، لا تكون المشكلة في الأم ولا في الزوجة، بل في اختيارات الرجل نفسه، وفي القيم التي قرر أن يتبناها أو يهملها.
* أفكار حول تخلي بعض الرجال عن مسؤوليات الحماية والرعاية وتأثيره على العلاقة
الأفكار الأساسية:
-فقدان التكامل الجذري
-الحماية النفسية قبل الجسدية
- الرجولة ليست قوة جسدية بل موقف وجودي
4. الاختلاف الجذري هو سر الجاذبية
· الجاذبية بين الجنسين مبنية على الاختلاف والتكامل
· عندما يصبح الرجل "مشابهاً" للمرأة في المواقف والسلوك، تختفي الشرارة
· المرأة تريد شريكاً تكمله، لا توأماً روحيّاً
5. أزمة الهوية الذكورية المعاصرة
6. التبادل العاطفي غير المتوازن
7. الآثار النفسية على المرأة
8. النسيان التدريجي للغريزة الفطرية
9. مقارنة غير واعية مع النماذج السابقة
10. الحل: استعادة التوازن دون عودة للتسلط
المرأة لا تنفر من الرجل لأنه فقط "ضعيف"، بل لأنه يتخلى عن دوره التكاملي في العلاقة. الحاجة إلى الحماية والرعاية حاجة إنسانية عميقة، وعندما يخل الرجل بهذا العقد الضمني في العلاقة، تختفي أساسيات الجاذبية والاحترام. الحل ليس في العودة إلى نماذج التسلط القديمة، بل في إعادة اكتشاف معنى المسؤولية الحقيقية في عالم جديد، حيث يكون الرجل قادراً على تقديم القوة والحماية بطريقة تحترم استقلالية المرأة وتكملها بدلاً من السيطرة عليها.
فكيف ستكون الإصلاحات؟
أولاً: إصلاح التربية والأسرة
١. مشروع رجال – تربية الابن مسؤولاً
٢. مشروع أنوثة – تربية البنت شريكة لا ضحية ولا بطلة فائقة
٣. فك تحالف الأم والابن – تأهيل الأمهات والآباء
٤. اعداد أطفال للأبوة – تأهيل مبكر
٥. فحص النضج – استشارة إلزامية
· ثلاث جلسات إرشادية للمقبلين على الزواج مع مختص معتمد، تركز على:
· هل تعرف ماذا تعني القوامة عملياً؟ (إنفاق، حماية، متابعة، سؤال، وقوف عند الشدة).
· هل تعرف ماذا تعني الأنوثة المعطاءة عملياً؟ (احتواء، رعاية، ترتيب أولويات، عاطفة).
· من يتكلم عندما تختلفان؟ ومن يقرر عندما لا تتفقان؟
· ماذا تفعلان إذا تغير أحدكما بعد خمس سنوات؟
· تقرير من المستشار يُقرأ بحضور الطرفين، ليس لإجبارهما بل لفضح أي وهم أو سوء فهم قبل عقد القران.
٦. ميثاق الزوجية – عهد مكتوب
٧. شهادة تأهيل أسري – حافز مادي
ثالثاً: إصلاح قانوني ومالي – الأمان الملموس
٨. بيت باسمها – توثيق حق المسكن
· في عقد الزواج، توثيق حق الزوجة في مسكن مستقل، أو شقة تُسجل باسمها إذا كان الزوج قادراً، كحد أدنى للقوامة المالية.
· لا ينتظر حتى يحدث الغدر أو الطلاق لتبحث عن مأوى، الأمان ملموس لا وعد شفهي.
٩. صندوق الأمان الزوجي – تأمين إجباري
· صندوق حكومي تكافلي باسم "تأمين الزوجة": اشتراك إلزامي بسيط من الزوج (مثل التأمين الصحي) يضمن للمرأة مبلغاً فورياً معقولاً إذا طُلقت أو تُركت دون إنفاق أو تعرضت للغدر المادي.
· يمنع الخوف المزمن من المستقبل، ويجعل القوامة مؤسسية لا مزاجية.
١٠. إعادة تفعيل شرط "الإنفاق شرط القوامة"
١١. حماية أجور المهن الأنثوية
١٢. دراما القدوة – إنتاج نموذج متوازن
١٣. حملات تلفزيونية قصيرة – ٣٠ ثانية
١٤. جائزة الإعلام الأسري
١٥. خطبة الجمعة الموحدة – القوامة تكليف لا تشريف
١٧. تأهيل المقبلين على الزواج
١٨. برنامج واعي – للرجال المترددين
١٩. برامج آمنة – للنساء الخائفات
٢٠. مرصد القيم الأسرية
سابعاً: إصلاح شخصي – ما يمكنك فعله الآن
- المبادرة بالعطاء بلا شروط
- فضح الاستغلال الانتقائي
- إعادة تعريف الرجولة والأنوثة
الخلاصة:
هذه الإصلاحات لا تلغي "إعدادات الكون"، بل تعيد ضبطها.
لا تهدم القوامة، بل تجعلها مسؤولية واضحة لا فضفاضة.
لا تلغي الأنوثة، بل تجعلها عطاء متزناً لا استنزافاً.
لا تنحاز للمرأة ضد الرجل، بل تنحاز للأسرة ضد كل من يهدمها، ذكراً كان أم أنثى، أمّاً كان أم زوجة، دراما كانت أم خطاباً دينياً متطرفاً.
المطلوب اليوم ليس استعادة الماضي، ولا القفز إلى مستقبل بلا جذور. المطلوب بناء صيغة جديدة تحفظ الجوهر وتستوعب التغير، وتجعل من العلاقة الزوجية مشروع أمان لا ساحة صراع.