الأخبار

د. خالد الشقران : فرصة للردع وفرض التوازن

د. خالد الشقران : فرصة للردع وفرض التوازن
أخبارنا :  

جددت كل من المملكة الأردنية الهاشمية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، والمملكة العربية السعودية، ودولة قطر، ودولة الكويت، في بيان مشترك، إدانتها بأشد العبارات للاعتداءات الإيرانية السافرة، التي تعد انتهاكا صارخا لسيادتها وسلامة أراضيها وللقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة، سواء كانت بشكل مباشر أو عبر وكلائها والفصائل المسلحة التي تدعمها في المنطقة، وعلى وجه الخصوص الاعتداءات التي تشنها فصائل مسلحة موالية لإيران من جمهورية العراق على عدد من دول المنطقة ومنشآتها الحيوية وبنيتها التحتية، مما يشكل خرقا للقوانين والمواثيق الدولية، وانتهاكا صارخا لقرار مجلس الأمن رقم 2817 لعام 2026 الذي يطالب صراحة بأن توقف إيران فورا ودون قيد أو شرط أي اعتداء أو تهديد للدول المجاورة.

 

في جوهره، يشكل البيان المشترك إعلان مواجهة سياسية صريحة مع مرحلة تجاوزت فيها الاعتداءات الإيرانية كل الخطوط الحمراء، بعد استهداف السيادة العربية عبر أدوات ملتوية ووكلاء عابرين للحدود يعملون خارج أي منطق قانوني أو أخلاقي، وذلك باستخدامه لغة حاسمة لا تحتمل التأويل، واستناده إلى مرجعية ترتكز على أساس قانوني صلب يمنحه مشروعية كاملة للتحرك، وصولا إلى تثبيت صارم لقاعدة اشتباك جديدة تفرض معادلة واضحة تهدف إلى تعرية الاعتداء دون تردد، وتحديد المسؤولية بدقة دون مواربة، الأمر الذي يتحول معه الرد إلى حق سيادي أصيل لا يخضع للحسابات المؤجلة ولا يقبل أي شكل من أشكال التراجع.

هذا التحول يعكس إدراكا متقدما بأن الخطر لم يعد محصورا في سلوك دولة، بل في منظومة نفوذ كاملة تدار عبر شبكات مسلحة تتغذى على الفراغات السياسية والهشاشة الأمنية، لذلك، فإن الإدانة هنا تتجاوز بعدها الأخلاقي والمعنوي لتتحول إلى خطوة تأسيسية نحو بناء مسار ردعي متكامل، يستند إلى الشرعية الدولية ويمنح الدول المعنية غطاء سياسيا وقانونيا للتحرك الحاسم.

الرسالة السياسية الأكثر وضوحا تكمن في هذا التماسك العربي الذي يعيد رسم ملامح التعامل مع الاصطفافات الإقليمية والدولية، حيث لم يعد مقبولا التعامل مع التهديدات بمنطق التجزئة، ولا ترك كل دولة تواجه مصيرها منفردة أمام أي عمليات استهداف منظم، بما يعنيه ذلك من تشكل وعي جماعي فعلي بأن أمن أي دولة عربية هو امتداد مباشر لأمن بقية الدول، وأن أي اختراق في جدار السيادة في نقطة ما سيمتد ليهدد الجميع دون استثناء، وهذا الفهم يمكن اعتباره بمثابة النواة الحقيقية لأي مشروع يهدف إلى تشكيل قوة عربية فاعلة.

وفي المقابل، يحمل الخطاب الموجه إلى العراق أبعادا دقيقة؛ فهو يوازن بين احترام الدولة ومطالبتها بممارسة سيادتها الكاملة على أراضيها، لكن الرسالة الأكثر أهمية أن العلاقات الأخوية لا يمكن أن تستمر تحت ضغط نيران الفصائل، وبما أن السيادة وحدة كاملة لا تتجزأ، فإن من لا يضبط أرضه والسلاح المنفلت عليها يفتح الباب أمام إعادة تعريف قواعد التعامل معه.

غير أن أخطر ما في المشهد هو عدم الاستفادة من دروس هذه التجربة والاعتقاد بأن البيان بحد ذاته كاف، ذلك أن البيانات مهما بلغت قوتها، تبقى حبرا ما لم تتحول إلى سياسات وإجراءات، فالمرحلة تفرض الانتقال الفوري من التنسيق إلى التكامل، ومن رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، وهو ما يشكل فرصة قوية ومهمة لتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، عبر بناء منظومة أمن جماعي حقيقية تقوم على تبادل استخباراتي مؤسسي ومستدام، ونظام إنذار مبكر، وقدرة تدخل سريع قادرة على احتواء التهديدات أو التحديات التي تواجه الأمن القومي العربي أو سيادة أي دولة عربية.

أما فكرة تشكيل قوة ردع عربية، فإنها ينبغي أن تنتقل وفقا لمعطيات الواقع من خانة الطموح المؤجل إلى خانة الضرورة الاستراتيجية، وعليه ينبغي أن يكون المطلوب تشكيل قوة تمتلك عقيدة واضحة تقوم على حماية السيادة وفرض التوازن، عبر تكامل عسكري حقيقي، وتوحيد منظومات التسليح، وتنسيق عملياتي عابر للحدود، يختصر الزمن ويضاعف الفاعلية، وهو الأمر الذي يمكن أن يساعد على توجيه رسائل حاسمة للمحيطين الإقليمي والدولي بأن العبث بأمن الدول العربية سيواجه برد جماعي لا يحتمل التردد او التأجيل.

ولا يقل أهمية عن ذلك تحصين الجبهة الداخلية، حيث تسعى بعض القوى الإقليمية الطامحة بالهيمنة على الإقليم إلى نقل المعركة للعمق العربي عبر خلايا نائمة وشبكات تجنيد واختراق ناعم، وعليه فإن المواجهة هنا تتطلب استراتيجية شاملة لتجفيف منابع التمويل، وتفكيك البنى التنظيمية، ومواجهة الخطابات التي تبرر الفوضى تحت أي ذريعة، خاصة وأن الأمن لم يعد عسكريا فقط، بل أصبح أيضا معركة وعي وسيطرة على الفضاء الاجتماعي والإعلامي.

كما أن هذا الموقف الجماعي يفتح المجال لتحرك عربي أكثر تأثيرا على الساحة الدولية، عبر إعادة تعريف أمن المنطقة كجزء لا يتجزأ من الاستقرار العالمي، خاصة في ظل ارتباطه المباشر بأمن الطاقة والممرات الحيوية، حيث يمنح امتلاك رواية موحدة هذا التكتل قدرة أعلى على فرض أولوياته في مراكز القرار الدولي.

في الخلاصة، ما نشهده هو فرصة مهمة للإرادة الجمعية العربية، فإما أن يتحول هذا الإجماع إلى مشروع قوة يعيد الاعتبار للسيادة ويضع حدا لسياسات العبث التي تمارسها بعض القوى الطامعة في الهيمنة على المنطقة سواء كانت إيران أو غيرها، أو أن تبقى كل هذه المحاولات صدى قويا بلا أثر، وبما أن التحديات لم تعد تحتمل التردد، والمخاطر والتهديدات لم تعد تنتظر، فقد آن الأوان لوجود قرار عربي صلب يترجم هذا الموقف إلى بنية ردع، وإرادة سياسية تضع أمن الأوطان فوق كل اعتبار، فالطريق واضح، والمسؤولية جماعية، وأي تأخير في الفعل سيمنح خصوم الاستقرار فرصة إضافية لتنفيذ مخططاتهم المعادية وتكريس الفوضى لخدمة مصالحهم على حساب أمن شعوبنا واستقرارها. ــ الراي

مواضيع قد تهمك