الأخبار

د. ماجد الخواجا يكتب : محاكم التفتيش

د. ماجد الخواجا يكتب : محاكم التفتيش
أخبارنا :  

د. ماجد الخواجا

لست بصدد الوقوف تأييداً أو معارضةً لما يجري في المنطقة من حربٍ داميةٍ بين إيران وبين الولايات المتحدة والكيان الإحتلالي، ولست بصدد بيان أياً من الموقفين هو الأحق والأصوب، لكن الحقيقة هناك ظاهرة مقلقة طفت على سطح الحوارات والمنشورات والتعليقات عبر صفحات التواصل الإجتماعي والمواقع الإعلامية الإلكترونية التي تمارس ذات الفعلة والممارسة المنبوذة لتنظيمات متطرّفة ويمكن توصيفها بالإرهابية، تلك التنظيمات التي اختطفت ذات فترةٍ قريبةٍ الوصاية على الفكر والدين والمصير، وتقسيم العالم لفسطاطين، فسطاط الخير والحق والجنّة، وفسطاط الشر والباطل والنار. إضافة لتبنّي مبدأ : إما أن تكون معي أو أنك ضدي، أن تكون حليفي ومؤيداً لي، أو تكون عدوا وخصماً ينبغي محاربته والعمل على استئصاله.

يمكن حصر مجريات ما يتم بثّه إعلامياً على النحو الآتي:
1- الملائكية لمن معي والشيطنة لمن يعارضني.
2- الوصاية على مفاهيم من قبيل الوطنية والمواطنة والولاء والإنتماء.
3- استسهال الحديث والمطالبة بسحب الجنسية وكأنها مجرد منحة لا استحقاق دستوري وشرعي وقانوني. 4- محاكمة البشر والتفتيش في نواياهم وميولهم واتجاهاتهم، واعتبار ما لا ينسجم مع الخطاب المعلن بمثابة عدو جاهز للمحاكمة والمحاسبة.
5- افتراض وجود وجدان جمعي واحد بحيث تسود سمفونية وطنية بلونٍ ونسقٍ واحد.
6- الوصاية على الفكر والعقل الفردي وقولبته ليأخذ شكل العقل الجمعي الملزم.
7- استسهال التخوين وإضفاء صفات التطرّف وصولاً لوسم الفرد بالإجرام والإرهاب مع نزع صفة المواطنة عنه.
8- الوصاية واختطاف التعبير عن الوطن بحيث أصبح لزاماً أن تنتفي أو تلتصق صفة حماة الوطن والمدافعين عنه " نحن" وهذه النحن تنساق على من يوافقنا الرأي والهوى.
9- أما الخطر الأشد فيبدو من خلال نشر البغضاء والكراهية والتمترس بإطلاق صفات ملائكية على شرائح وفئات من المجتمع، فيما يتم توصيف بقية الشرائح والفئات المجتمعية بالأبالسة والشياطين. كأنها القطيعة غير مفهومة الأسباب وغير مبررة الغايات. قطيعة تغذّيها مصادر وجهات ذات مصالح متشابكة وربما متضادة، لكنها تجتمع وتتفق على تفتيت اللحمة الوطنية وإضعافها تمهيداً لنهشها وابتلاعها.

كان دائما المجتمع يحتمل الإختلاف في وجهات النظر، لا بل يصل الأمر أن يتم صراع ممتد باستخدام الفكر والحوار، وكان المجتمع يتقبل براحة ضمير ووجدان تلك الإختلافات الفكرية والسياسية باعتبارها مشهداً وطنياً بامتياز يعبّر عن فضاءٍ واسعٍ يجتمع فيه صاحب الرأي المتشدد والمعتدل والمتساهل.

لو نظرنا للكيان الإحتلالي كيف هو مشهد الحوارات السياسية فيه في ظل حالة الحرب التي يشنّها منذ السابع من أكتوبر وحتى تاريخ كتابة هذه الكلمات، سنرى أن الهيئات السلطوية لديه تتمتع بكثيرٍ من حرية الرأي وتحتمل أن تتشكل الحكومة من أطيافٍ واسعةٍ من المكونات الحزبية والسياسية، ولم تتردد في أن يكون أمثال اليمينيين المتطرّفين ومنهم سموريتش وبن غفير اللذين هما على قوائم المطلوبين من الإرهابيين، أن يتوليا وزارات هامة وحسّاسة في حكومة الحرب القائمة.

ما أود قوله أنه من الطبيعي والمطلوب ذاك الاختلاف في الآراء السياسية المتغيّرة تبعاً لكل مرحلةٍ تمرّ بها، لكن أن تصبح أداةً لمحاكم تفتيشية على الفكر والوجدان الشعبي، وأن تمنح صكوك المواطنة والخيانة تبعاً للموافقة على رأي سياسي ما أو عدم الموافقة.

إننا في الأردن مررنا بأزمات كبرى وحاسمة وخطيرة ومفصلية، لكن لم يتم استئصال أي رأي مهما بلغت درجة معارضته، ولا أعتقد أن هناك من المواطنين من يريد الشر والسوء للأردن وأهله. كما لا يمكن تصوّر وجود رأي سياسي واحد يتبناه شعب بأكمله مهما بلغت منطقية وموضوعية وأحقية ذاك الموقف.
حفظ الله الأردن أرضاً وشعباً وقيادةً من كل كريهة وفتنة ونوايا خبيثة.

مواضيع قد تهمك