أ. د. سلطان المعاني : جلالة الملك عبدالله الثاني
يمثّل
جلالةُ الملك عبدالله الثاني في الوعي الأردني والعربي نموذجَ القائد الذي
تتماسك عنده خيوطُ الدولة حين تزدحم الضغوط، لقد صنعت الخبرة المتراكمة في
إدارة التوازنات، والقدرة على قراءة التحوّلات قبل اكتمال صورتها،
والتمسّك بثوابت الأردن العليا، حضورًا يبعث الطمأنينة في الداخل، ويمنح
الموقف الأردني وزنَه في الخارج، ويجعل القرار ثمرةَ تقديرٍ واسعٍ للمشهد
كلّه، من حركته الإقليمية المتسارعة إلى أثره المباشر في المجتمع
والمؤسسات، حتى غدا اسمُ الملك في وجدان الأردنيين مقترنًا بذلك المعنى
الرفيع الذي يربط القيادة بسلامة التقدير، ويربط السلطة بالمسؤولية، ويربط
الموقعَ بواجب الحراسة السياسية والأخلاقية في آنٍ واحد. وتكتسب هذه الصورة
رسوخًا أكبر حين يُنظر إلى سيرة جلالته في المصادر الرسمية للدولة، حيث
تُبرز سيرتُه العامة مسارًا ممتدًا من العمل المتصل على تثبيت الاستقرار،
وتعزيز حضور الأردن الإقليمي والدولي، وصون رسالته الهاشمية المرتبطة
بالقدس، وبقيمة الإنسان، وبفكرة الدولة الرصينة التي تعرف وزنَها وحدودَها
وحقَّها في أن تُصان.
وتظهر قيمةُ
هذه القيادة على نحوٍ أشدّ وضوحًا في الأيام التي ترتفع فيها حرارة
الإقليم، لأنّ جلالة الملك يتحرّك بعقل الدولة كلّها، فيتابع ما يدور في
الدوائر العربية والإقليمية والدولية، ويقدّر ما يتركه ذلك من أثر في
الداخل الأردني، ثم ينسج الموقف على قاعدةٍ تجمع صفاء الرؤية، ويقظة
المؤسسات، وهدوء الأعصاب، وتماسك الرسالة السياسية، وقد بدت هذه السمة جلية
في مطلع آذار 2026 حين شارك جلالته في اجتماع دولي عبر الاتصال المرئي
لبحث التصعيد في الشرق الأوسط، ثم ترأّس اجتماعًا في المركز الوطني للأمن
وإدارة الأزمات لمراجعة جاهزية مؤسسات الدولة في التعامل مع ارتدادات
التطورات الجارية، وزار القيادة العامة للقوات المسلحة مثنيًا على جهود
الجيش والأجهزة الأمنية في حماية الأردن، وهي سلسلة أفعال تكشف أن الرؤية
الاستشرافية عنده تنتمي إلى صلب الممارسة اليومية في الحكم، وتنبع من فهمٍ
يرى الموجة وهي تتشكل في الأفق، ثم يهيّئ الدولة لعبورها بثقةٍ وصلابةٍ
ورباطة جأش.
وتزداد الصورة
اكتمالًا حين يُرصد اتساع المدى الذي يتحرّك فيه جلالته، فالقائد هنا يحمل
الأردن إلى العالم من موقع الاحترام، ويعود بالعالم إلى الأردن من موقع
الثقة، ولذلك جاءت اتصالاته الأخيرة مع عدد من القادة، من مصر إلى الإمارات
وألمانيا ولبنان وهولندا وغامبيا، في سياق جهد سياسي نشط هدفه خفض
التصعيد، ومنع انزلاق المنطقة إلى مستويات أشد خطرًا، وحماية الأردن من
كلفة التوترات الكبرى التي تضغط على الحدود والاقتصاد والمجتمع معًا، وهذا
النمط من الحضور يعبّر عن مدرسة في القيادة تُدرك أنّ بقاء الدولة قويّة
يحتاج إلى دبلوماسية متيقظة، ومؤسسات مستعدة، ورسالة واضحة، وشبكة علاقات
تسمح للأردن بأن يكون طرفًا مسموعًا حين يشتدّ الاضطراب، وهو ما يفسّر
المكانة التي يحظى بها الملك في المحافل الدولية، لأنّه يتحدث من أرضية
دولة متماسكة، ومن خبرة طويلة في الإقليم، ومن حسّ سياسي يعرف متى يرفع
الصوت، ومتى يختار العبارة الأشد أثرًا والأكثر اتزانًا.
وحين
تُذكر نُبلُ المواقف، تتقدّم فلسطين إلى قلب المشهد، لأنّ جلالة الملك حمل
هذه القضية في المحافل الإقليمية والدولية بحسٍّ تاريخي وأخلاقي ثابت،
فشدّد في أكثر من موقف رسمي خلال عامي 2025 و2026 على ضرورة وقف الحرب على
غزة، وتكثيف الجهد الدولي لإدخال المساعدات، ودعم الخطة الرامية إلى إعادة
إعمار القطاع، كما واصل تأكيده رفض الإجراءات التي تمسّ حقوق الفلسطينيين
في غزة والضفة الغربية، وهي مواقف تستمد قوتها من موقع الأردن نفسه، ومن
إرثه الهاشمي المتصل بالدفاع عن القدس، ومن فهمٍ عميق يرى في القضية
الفلسطينية معيارًا أخلاقيًا وسياسيًا تتكثف عنده أسئلة العدالة والاستقرار
والكرامة العربية. ولهذا حين يتحدث الملك عن فلسطين، فإنّ حديثه يخرج من
ضمير الدولة الأردنية، ومن التزام تاريخي صانه الهاشميون، ومن يقينٍ يعرف
أنّ استقرار المنطقة كلّها يمرّ من باب الحق، ويمرّ كذلك من وقف الإفساد
الذي يصيب الأرض والإنسان والذاكرة.
ويكتسب
هذا الموقف بعدًا إنسانيًا أوسع حين يُنظر إلى الدور الهاشمي في القدس،
وإلى ما يتصل به من رعايةٍ مستمرة للمقدسات الإسلامية والمسيحية، وهي
مسؤولية تاريخية أكدت المصادر الرسمية الأردنية امتدادها منذ عام 1917،
واستمرارها في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني ضمن رؤية ترى في القدس
مساحةً للروح والكرامة والتعايش، وترى في صون مقدساتها دفاعًا عن تاريخ
المنطقة وحقوق أهلها، كما يتجلى البعد الإنساني نفسه في استدامة الجهد
الأردني الطبي والإغاثي تجاه غزة، حيث وثّقت المواد الرسمية استمرار
المستشفيات الميدانية والبعثات الطبية الأردنية هناك، في تعبير واضح عن
قيادةٍ تعرف أنّ الشرف السياسي يكتمل حين يلتقي الموقف المعلن بالفعل
الإنساني على الأرض، وحين ترتبط اللغة الدبلوماسية بيدٍ تمتد إلى الجريح،
وإلى المقهور، وإلى الذين يحتاجون في أزمنة الفقد إلى من يذكّر العالم
بقيمتهـم وبحقهـم في الحياة والدواء والأمان.
ومن
هنا تأتي المكانة الخاصة لجلالة الملك في وجدان الأردنيين، لأنهم يرون فيه
قائدًا يمسك بميزان الدولة في مرحلة شديدة الحساسية، ويحفظ للقرار وقاره،
وللوطن أمنه، وللقضية شرفها، وللإنسان موضعه في ضمير السياسة، وهي خصال
تزداد قيمةً في زمن تتراجع فيه الموازين، وتختلط فيه الأصوات، وتُختبر فيه
الدول بقدرتها على الصمود الهادئ أكثر مما تُختبر بحدة الانفعال، ولذلك
يظلّ عبدالله الثاني، في نظر كثيرين داخل الأردن وخارجه، سيدَ حكمةٍ متصلة
بالفعل، وصاحبَ رؤيةٍ تستشرف المدى من دون ضجيج، ورجلَ موقفٍ حين ينادي
المنادي للوطن، أو للأمة، أو للإنسانية، فتنهض في حضوره هيبةُ الدولة،
ووفاءُ الهاشميين، واليقينُ بأنّ هذا البلد يعرف رجاله حين تثقل الأيام،
ويعرف كيف يحفظ اتزانه وهو يعبر فوق أمواج الإقليم العاتية.