الأخبار

د. ماجد الخواجا يكتب : غاب الإنسان بين مولانا والعقيد

د. ماجد الخواجا يكتب : غاب الإنسان بين مولانا والعقيد
أخبارنا :  

عادت الدراما السورية للموسم الرمضاني الحالي بحلّةٍ مغايرة تماماً لما عهدناه عنها طيلة عهد النظام الحاكم لأكثر من 55 سنة. فالرقيب الأمني القابع في كل حركة ولفتة ولقطة مرئية أو سمعية.
ربما ستخرج دراسات وأبحاث ورسائل جامعية تعمل على المقارنات بين مرحلتين وعهدين مرّ بها الفن السوري، مقارنات تحليلية للشكل والمحتوى والقيمة والأثر الفني للأعمال الدرامية، بل هناك فرص عديدة لإجراء مقارنات ومقاربات في مجالات السياسة والتجارة والإعلام ومختلف الفنون والعلاقات الإجتماعية والرياضية والتربوية. ستكون حالة خصبة وثرية من التأملات والمراجعات بين المرحلتين بكافة شؤونها وتفاصيلها.
مشهد مثير حقاً اجتماع الفنانين الذين هربوا بأرواحهم وأجسادهم وموقفهم خارج الوطن لأكثر من عقدٍ من الزمان، عاشوا الغربة والكربة وانقطاعهم عن العمل الفنّي وبقائهم تحت طائلة التهديدات بالتصفية والقتل، فيما واصل غيرهم من الفنانين إعلان تأييدهم للنظام السابق وأتيحت لهم فرص العمل ضمن سقوف الرقيب الأمني القابع بين كل كلمة واختها، كل حركة وربيبتها، فيما فئة ثالثة حاولت قدر ما أمكنها عدم إعلان مواقف صريحة وواضحة بالموالاة أو المعارضة، ونجت بأرواحها نتيجة عدم وضعها على محك التجربة المباشرة بإكراههم على التصريح المعلن بالموالاة، فيما دفع عديد من الفنانين ثمن مواقفهم بإسكاتهم تماماً وإزهاق أرواحهم كما حدث مع الفنان خالد تاجا وربما رفيق السبيعي ووغيرهم.
قلت إنه مشهد مثير اجتماع أصحاب الفن المتباينة مواقفهم في أعمال فنية واحدة، أعمال لم تعد تمجّد النظام ورأسه، ولم تعد تصف المعارضة والثوّار بالإرهابيين والمندسّين والجراثيم التي لا بد من تطهير البلد منها. فشاهدنا اجتماع تيم حسن ابن النظام السوري مع فارس الحلو المعارض منذ بدايات الثورة في مسلسل مثير للجدل شدّ الملايين لمتابعته، حيث العنوان الجاذب " مولانا" وفي مسلسل الخروج إلى البئر كان هناك الفنان المعارض جمال سليمان يجتمع هو والمعارض عبد الحكيم قطيفان ومازن الناطور مع فنانين موالين أو محايدين، وجاء باسم ياخور وجرجس وبسام كوسا والعمايري وممثلي سنين طويلة على أجزاء أصبحت مملّة من مسلسل " باب الحارة" مثل نزار أبو حجر ومنى واصف والمرحومة هدى شعراوي.
لم تخلُ الأعمال من مسحات الفانتازيا واللقطات المثيرة مع استيلاد بيئات غالبيتها غير واقعية ولا تعبّر عن حقيقة ما جرى وما يجري، ولا تظهر حجم البؤس في البيئة المحلية وحجم التشظّي في الأرواح والهوان والضعف الإنساني، باستثناء التوسّع في تصوير ممارسات النظام السابق الإجرامية واستسهال استئصال البشر دون أدنى وازع من ضمير. وشاهدنا عن كثب وعن وجع وحسرة طرق تعذيب المواطنين وسجنهم واختفائهم قسريا وأنواع من المذلّة والخنوع والنبذ والاستبعاد الاجتماعي وكيفية التعامل مع المواطنين بذهنية المشكوك في كافة تفاصيلهم وشؤونهم، وأنه ينبغي قمعهم والقسوة عليهم فلا مجال للطرق الإنسانية المتحضرة معهم. ربما أتقن فارس الحلو دوره في مولانا كعقيد ومسؤول ثكنة عسكرية بشكل تماهى فيه تماماً مع الشكل المتخيّل عندنا لهذا المسؤول العسكري السادي القاتل المتكسّب النرجسي وربما الشّاذ جنسياً وفكرياً. لقد قيل أن أفضل من يمكنه تجسيد دور السجّان هو من كان سجيناً لديه. فيما شكّل الفنان عبد الحكيم قطيفان سؤالاً كبيراً بتأديته دور رئيس المخابرات صاحب الموقف والعهد وأنه يرضخ ويذعن لمطالب المعتقلين بذريعة التسويات المؤلمة. وتبقى عديد من التساؤلات دون إجابة والمتمثلة في أدوار جمال سليمان والمعتقلين المتشددين داخل صيدنايا، ويتطلب مولانا تيم حسن إفراد مقالة له ولدوره المثير في مسلسل مشوّق حقاً.

مواضيع قد تهمك