الأخبار

سليمان عبد الله الوردات : الثقة العامة.. بناء بطيء وتآكل سريع.

سليمان عبد الله الوردات : الثقة العامة.. بناء بطيء وتآكل سريع.
أخبارنا :  

في مسيرة الدولة، لا تقاس قوة المؤسسات فقط بما تملكه من صلاحيات أو ما تصدره من قرارات، بل أيضا بمدى ما تحظى به من ثقة في وجدان المجتمع.
‏لننتبه هنا، الثقة العامة ليست مفهوما سياسيا مجردا، بل هي الرابط غير المرئي الذي يمنح العلاقة بين الدولة والمجتمع معناها واستمراريتها، ومن دون هذا الرابط، تصبح القوانين أكثر صعوبة في التطبيق، وتتحول السياسات إلى نصوص رسمية لا تجد صداها الكامل في الوعي العام.

‏غير أن ما يميز الثقة العامة في كل مجتمعات العالم أنها لا تبنى بسرعة، لأنها عملية تراكمية طويلة تتشكل عبر التجارب اليومية، وعبر شعور الناس بأن مؤسساتهم تعمل بقدر من الاتساق والعدالة والقدرة على إدارة الشأن العام. ولهذا قد تحتاج الثقة سنوات طويلة حتى تترسخ في الوعي الجمعي، لكنها في المقابل قد تتعرض للتآكل بسرعة إذا تعرضت لسلسلة من الاختبارات التي تضعها موضع تساؤل.

‏أمّا إذا ما أردنا التمعن في تجربتنا، نجد أن الثقة العامة ارتبطت تاريخيا بفكرة الاستقرار والاستمرارية، فقد نشأ وعي سياسي يرى في الدولة إطارا حافظ على تماسك المجتمع في منطقة شهدت الكثير من التحولات والتقلبات، ومع مرور الزمن أصبح هذا الاستقرار جزءا من الإدراك العام لطبيعة العلاقة بين المجتمع الأردني ومؤسساته.

‏لكن التحولات التي شهدها العالم في العقدين الأخيرين، خصوصا مع اتساع فضاء الإعلام الجديد وتسارع تداول المعلومات، أعادت تشكيل توقعات الناس تجاه هذه العلاقة، فلم تعد الثقة مرتبطة فقط بالشعور العام بالأمان والاستقرار، بل أصبحت مرتبطة أيضا بتوقعات أعلى تتعلق بالشفافية، ووضوح السياسات، وسرعة الاستجابة للأسئلة والقضايا التي يطرحها الرأي العام.

‏وهنا يظهر التحدي الحقيقي الذي تواجهه معظم الدول الحديثة، وهو أن الثقة العامة لم تعد حالة مستقرة يمكن الحفاظ عليها تلقائيا، بل أصبحت علاقة تحتاج إلى عناية دائمة، وإلى توازن دقيق بين متطلبات الإدارة الواقعية للدولة، وتوقعات مجتمع أصبح أكثر اطلاعا وأكثر مشاركة في النقاش العام.

‏ومن هذا المنطلق، تلعب البيئة الإعلامية دورا متزايد الأهمية في تشكيل صورة هذه الثقة، فالمعلومة تنتقل اليوم بسرعة غير مسبوقة، والرأي العام يتشكل أحيانا في ساعات قليلة، ما يجعل إدارة العلاقة مع المجتمع أكثر حساسية وتعقيدا.
‏ولهذا يصبح الوضوح في الخطاب، والقدرة على تفسير القرارات، جزءا أساسيا من الحفاظ على الثقة العامة، لا مجرد جانب ثانوي في العمل العام.
‏ومع ذلك، تبقى الثقة في جوهرها علاقة متبادلة، فالمؤسسات مطالبة بتعزيز مصداقيتها عبر الأداء والتواصل، كما أن المجتمع بدوره يلعب دورا في حماية هذه العلاقة من التآكل السريع الذي قد تسببه الانطباعات المتسرعة أو الأحكام غير المكتملة.

‏ولعل الدرس الأهم الذي تكشفه تجارب الدول هو أن الثقة العامة لا تبنى في لحظة، لكنها أيضا لا تنهار فجأة من دون مقدمات؛ فهي تنمو ببطء عبر تراكم الأداء الجاد، وتضعف عندما تتسع المسافة بين التوقعات والواقع. وبين هذين المسارين، يبقى الحفاظ على الثقة مسؤولية مشتركة، لأن المجتمعات التي تدرك قيمة هذا الرصيد المعنوي تحرص على صيانته، مدركة أن بناء الدول لا يقوم فقط على المؤسسات، بل على الثقة التي تجعل تلك المؤسسات قادرة على الاستمرار.

‏حمى الله الأردن، قيادة وأرضا وشعبا وثقة ومؤسسات.

مواضيع قد تهمك