د. مثقال القرالة : الأردن والفرصة التاريخية: عمّان مركز المال والاستثمار في الشرق الأوسط
في
زمن تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتتقاطع فيه المصالح الدولية مع بؤر
التوتر المشتعلة في الشرق الأوسط، لم يعد الاقتصاد مجرد أرقام في جداول
الحسابات، بل أصبح أداة استراتيجية لإعادة رسم النفوذ الإقليمي وصياغة
مراكز القوة الجديدة. وفي قلب هذا المشهد المضطرب، يبرز سؤال جوهري يتجاوز
الطموح النظري ليقترب من حدود الإمكان الواقعي: هل يستطيع الأردن أن يتحول
إلى مركز مالي واستثماري إقليمي في منطقة تعيش على إيقاع الأزمات؟. قد يبدو
هذا الطموح للبعض بعيد المنال في ظل محدودية الموارد الطبيعية التي
يمتلكها الأردن، لكن قراءة أعمق لمعادلات الاقتصاد السياسي في المنطقة تكشف
أن الثروة الحقيقية في هذا العصر لم تعد النفط وحده، بل الاستقرار
المؤسسي، والحوكمة الرشيدة، والقدرة على بناء بيئة استثمارية آمنة وجاذبة
لرأس المال العالمي. وهذه عناصر يمتلك الأردن منها رصيداً مهماً يمكن أن
يشكل قاعدة لانطلاقة اقتصادية مختلفة.
فالاستثمار
بطبيعته كائن حذر، يهرب من الضجيج السياسي ويبحث عن البيئات المستقرة التي
تحمي رأس المال وتضمن سيادة القانون. وفي وقت تعيش فيه أجزاء واسعة من
الشرق الأوسط حالة من عدم اليقين الجيوسياسي، يصبح الاستقرار الأردني ميزة
استراتيجية لا تُقاس بحجم الاقتصاد بل بجودة الدولة ومتانة مؤسساتها.فلقد
استطاع الأردن عبر عقود طويلة أن يحافظ على توازن دقيق في محيط إقليمي شديد
الاضطراب، وأن يبني منظومة مؤسسية قائمة على احترام القانون واستقلالية
المؤسسات المالية والرقابية. وهذه ليست تفاصيل هامشية في حسابات
المستثمرين، بل هي العامل الحاسم في قرار انتقال رؤوس الأموال من منطقة إلى
أخرى.
غير أن التحول إلى مركز
مالي واستثماري إقليمي لا يتحقق عبر الاستقرار السياسي وحده، بل يحتاج إلى
رؤية اقتصادية جريئة تعيد تعريف الدور الاقتصادي للأردن في المنطقة.
فالمراكز المالية العالمية لم تولد صدفة، بل نشأت نتيجة قرارات استراتيجية
هدفت إلى تحويل المدن إلى منصات مالية دولية تستقطب البنوك العالمية
وصناديق الاستثمار والمؤسسات المالية الكبرى. وهنا تبرز فرصة تاريخية أمام
الأردن، لا سيما في ظل التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط. فالتاريخ
الاقتصادي يعلمنا أن الأزمات الجيوسياسية غالباً ما تعيد توزيع الخرائط
الاستثمارية، حيث تبحث رؤوس الأموال عن بيئات أكثر استقراراً لحماية
أصولها. وفي هذه اللحظات تحديداً تظهر قيمة الدول التي تمتلك الاستقرار
السياسي والبنية المؤسسية القادرة على احتضان الاستثمار.
إن
تحويل عمان إلى مركز مالي إقليمي يتطلب أولاً إعادة هندسة البيئة
التشريعية والضريبية بحيث تصبح أكثر تنافسية على المستوى الإقليمي.
فالمستثمر العالمي لا يكتفي بالشعارات الاستثمارية، بل ينظر بدقة إلى سرعة
الإجراءات، واستقرار التشريعات، ومستوى الشفافية في القوانين الاقتصادية.
كما أن تطوير القطاع المصرفي الأردني ليصبح منصة تمويل إقليمية يمثل ركيزة
أساسية في هذا التحول. فالقطاع المصرفي في الأردن يتمتع بتاريخ من
الاستقرار والانضباط المالي، لكنه بحاجة إلى توسيع دوره ليصبح لاعباً
إقليمياً في تمويل المشاريع الكبرى والاستثمارات العابرة للحدود، لا مجرد
وسيط مالي محلي. ولا يقل أهمية عن ذلك بناء منظومة متقدمة للتكنولوجيا
المالية (FinTech)، حيث يتجه الاقتصاد
العالمي اليوم نحو التحول الرقمي في الخدمات المصرفية والاستثمارية.
والأردن يمتلك ميزة تنافسية حقيقية في هذا المجال بفضل كوادره البشرية
المؤهلة في قطاع التكنولوجيا والبرمجيات، وهي ميزة يمكن أن تتحول إلى رافعة
اقتصادية إذا ما تم استثمارها ضمن رؤية وطنية متكاملة.
ومن
زاوية الاقتصاد السياسي، فإن الموقع الجغرافي للأردن يمنحه فرصة فريدة
ليكون حلقة وصل مالية واستثمارية بين الخليج العربي وبلاد الشام والعراق.
فالأردن يقف جغرافياً عند تقاطع محاور اقتصادية إقليمية يمكن أن تتحول، إذا
أحسن استثمارها، إلى شبكة من التدفقات المالية والتجارية تمر عبر عمان.
لكن تحقيق هذا الطموح يتطلب أيضاً تعزيز معايير الشفافية والحوكمة المؤسسية
في القطاعين العام والخاص. فالمستثمر العالمي في القرن الحادي والعشرين لم
يعد يبحث فقط عن العائد المالي، بل عن جودة الحوكمة، ومستوى الإفصاح
المالي، ودرجة الامتثال للمعايير الدولية في التقارير المالية والإدارة
المؤسسية. وهنا يظهر الدور الحيوي للقطاع المحاسبي والمالي في الأردن، إذ
يمكن للالتزام الصارم بمعايير التقارير المالية الدولية وتطوير منظومة
الإفصاح المالي أن يعزز ثقة المستثمرين ويمنح الاقتصاد الأردني سمعة مالية
قوية في الأسواق العالمية.
غير أن
التحدي الحقيقي لا يكمن في الإمكانات، بل في القدرة على اتخاذ القرار
الاقتصادي في الوقت المناسب. فالمنافسة الإقليمية على جذب الاستثمار أصبحت
أكثر شراسة من أي وقت مضى، والدول التي تتباطأ في إصلاح بيئاتها
الاستثمارية تجد نفسها خارج خريطة التدفقات المالية العالمية. إن اللحظة
التاريخية التي تعيشها المنطقة اليوم قد تحمل في طياتها فرصة استثنائية
للأردن. فالتوترات الإقليمية، رغم ما تحمله من مخاطر سياسية وأمنية، تعيد
تشكيل خريطة الاقتصاد في الشرق الأوسط وتفتح الباب أمام الدول المستقرة
لتلعب أدواراً اقتصادية أكبر من حجمها الجغرافي.
وإذا
ما استطاع الأردن أن يوظف استقراره السياسي، ويعزز إصلاحاته الاقتصادية،
ويطور بنيته التشريعية والرقمية، فإن عمان قد تتحول خلال السنوات القادمة
إلى منصة مالية واستثمارية إقليمية تستقطب رؤوس الأموال الباحثة عن الأمان
والاستقرار. ففي عالم الاقتصاد، لا تصنع الموارد الطبيعية وحدها المراكز
المالية الكبرى، بل تصنعها الدول التي تمتلك رؤية استراتيجية وشجاعة القرار
والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص تاريخية. وربما تكون هذه اللحظة
تحديداً هي اللحظة التي يستطيع فيها الأردن أن يعيد تعريف دوره الاقتصادي
في المنطقة، لا كاقتصاد صغير يحاول النجاة وسط العواصف، بل كدولة قادرة على
تحويل الاستقرار إلى قوة اقتصادية مؤثرة في الشرق الأوسط.