د. محمد صبحي العايدي : إشكالية المقاومة (2): الجهاد مشروع بناء لا مجرد ممانعة
في كثير من الخطابات السياسية والفكرية الحديثة، أصبح مصطلح «المقاومة» أحد أكثر المفاهيم حضوراً في توصيف العلاقة مع الاحتلال أو الظلم، وكأنه التعبير الوحيد الممكن عن فعل المواجهة، غير أن هذا الحضور الكثيف يخفى خلفه إشكالية مفاهمية عميقة، إذ تحولت المقاومة عند بعض الحركات من وسيلة ضمن مشروع حضاري أوسع، إلى غاية قائمة بذاتها، بل إلى ثقافة سياسية مكتملة تعيش عليها الجماعات، وتعيد إنتاجها باستمرار.
وهنا يبرز السؤال الأهم:
هل المقاومة مشروع حرب دائم؟ أم وسيلة اضطرارية ضمن مشروع حضاري أشمل؟
لفهم هذه الإشكالية ينبغي العودة إلى المفهوم القرآني الأعمق، لتكتشف أن
الخلل يعود إلى الخلط بين مفهوميين قرآنيين: المجاهدة أو الجهاد وبين
القتال، وإلى استبدال المصطلح الشرعي بمصطلحات سياسية حديثة أقل دقة،
فالقرآن الكريم لم يجعل «المقاومة» هي التعبير المركزي عن الصراع، بل قدم
مصطلحاً أكثر اتساعاً وعمقاً، وهو المجاهدة، أو الجهاد.
و» المقاومة» في أصلها اللغوي تشير إلى المنع والممانعة، وهي غالباً حالة جزئية مؤقتة، يقتصر على دفع قوة الخصم أو تعطيله.
أما كلمة «المجاهدة» فمشتقة من «الجهد» أي بذل الوسع والطاقة لتحقيق غاية،
وهو مفهوم يتجاوز مجرد رد فعل، بل انخراط واع في السنن الكونية، وهو جزء من
سنن المدافعة الكونية للإبقاء على حالة توازن الوجود الإنساني، كما في
قوله تعالى: « ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات
ومساجد يذكر فيها اسم الله»، لتشمل كل أشكال الدفع الحضاري للباطل، بتربية
النفس، وإقامة العدل، ونشر العلم، وصناعة الوعي، وإصلاح المجتمع، وبناء
المؤسسات، وتطوير القوة المعرفية، والاقتصادية، أما القتال فليس إلا أداة
من أدوات هذا المشروع الكبير.
من هنا تكمن الإشكالية، عندما يختزل « المجاهدة» في مجرد المقاومة
العسكرية، أو الجهاد في القتال فقط، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى
بوضوح في قوله تعالى:»فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً»
المقصود هنا المجاهدة بالحجة القرآنية في مرحلة لم يكن القتال شرع أصلاً،
لقد كان المسلمون في مكة بحالة جهاد مستمر مع أنهم لم يحملوا السلاح، لأنهم
كانوا يخوضون مواجهة فكرية وأخلاقية واجتماعية وإبمانية، مع منظومة الجهل
والظلم، بالحجة والبرهان، وهذا يكشف أن المواجهة مع الباطل تبدأ قبل الحرب
بكثير، تبدأ ببناء الإنسان قبل أن تصل إلى ميدان القتال، فالأمة قد تكون في
مجاهدة دائمة، دون أن تكون في قتال دائم.
وفي هذا السياق يفسر قوله صلى الله عليه وسلم: « الجهاد ماض في أمتي إلى
يوم الدين» هذا الحديث ليس دعوة لحرب عسكرية دائمة، بل استمرار المواجهة
بين الحق والباطل عبر أدوات متعددة: بالعلم، والكلمة، والتربية، والاصلاح
الاجتماعي، وببناء القوة الحضارية، فقد يتوقف القتال العسكري في لحظة من
التاريخ، ولكن المجاهدة الحضارية لا تتوقف أبداً، لأنها بناء مستمر لتحصين
الجبهة الداخلية، والاستعداد لأي مواجهة خارجية.
فالقتال في التصور القرآني أداة دفاعية مشروطة، لا فلسفة دائمة للصراع،
ولهذا جاء التعبير القرآني دالاً حين قال تعالى: «كتب عليكم القتال وهو كره
لكم»، ولم يقل كتب عليكم الجهاد، وكأن النص يريد أن يضع الحرب في إطارها
الحقيقي، بأنها تكليف اضطراري يفرض عندما تتعرض الأمة لتهديد وجودي،
فالقتال ليس غاية مرغوبة في ذاته، بل ضرورة.
غير أن الخطأ المنهجي الكبير لدى بعض الحركات والجماعات الدينية أنها تختزل
الجهاد في القتال، وتحول القتال من وسيلة دفاعية إلى ثقافة دائمة، لتصبح
الحرب هي الحالة الطبيعية للأمة لا الاستثنائية، وهكذا تحول السلاح إلى
الناطق الوحيد باسم الأمة، بينما يضيع مشروعها الحضاري باسم المقاومة.
إن الفرق بين المجاهدة والمقاومة ليس مجرد فرق لغوي، بل هو مفتاح لفهم
فلسفة الصراع في الإسلام، فالمجاهدة مشروع حضاري شامل، يواجه الباطل بكل
أدوات البناء: بالعلم والتزكية والعمران، بل قد يكون السلام مع العدو أحد
أدوات المجاهدة لدفعه، أما القتال فوسيلة دفاعية مؤقتة تستخدم عند الضرورة.
وحين تختلط المفاهيم تستنزف طاقات الأمة، ويبقى مشروعها الحضاري مؤجلاً،
فالأمم لا تبنى بالمفهوم الضيق للممانعة، بل بالمجاهدة التي تجمع بين القوة
والبناء، وبين المدافعة والعمران، لبناء أمة قادرة على الانتصار في الحرب
والسلام معاً.
*باحث في الفكر الإسلامي
ــ الغد