الأخبار

د. جاسر خلف محاستة : مرافعة الكعك والياسمين

د. جاسر خلف محاستة : مرافعة الكعك والياسمين
أخبارنا :  

تفوح رائحة السمن البلدي في أرجاء البيت ثقيلة ودافئة كأنها وعد قديم بالحياة، وتتمزج بعبير الكالونيا والياسمين الذي ترعاه أمي بصبر يشبه صبر الأرض، فقلبها الذي جاء من السلط أزهر في جرش حتى صار بيتنا شرفة شاميّة تطل على الزمن، وتأوي إليها العصافير لعلمها بالطريق منذ سنين بعيدة.

​تضغط أمي العجين بكفيها فيستدير الكعك مثل دورة الفصول، فكل شيء هنا يُصنع بمعناه، وحتى تلك الدائرة الصغيرة التي ترسمها يدها تشبه درساً قديماً يخبرنا بأن الحياة تعود دائماً إلى نفسها مهما ابتعدت.

​أمام البيت تمتد الحديقة الصغيرة، وهي وإن بدت متواضعة في عيون الغرباء إلا أنها في أعيننا سيرة كاملة، فهناك تقف شجرة توت وحيدة كحارس قديم، يعرف جذعها العريض وجوه الذين مروا من هذا الباب منذ سنوات طويلة، وبالقرب منها شجرة عناب صبورة ثمارها صغيرة لكنها عنيدة مثل أهل هذه البلاد، وعلى الجدار تمتد ياسمينة بيضاء تصعد نحو الضوء ببطء إيماناً منها بالعلو، أما الكالونيا فكانت تنثر كل مساء عطراً هادئاً يسبق الغروب، وتقف إلى جوارها أشجار ليمون يملأ أريج أزهارها الطريق صفاءً.

​وهناك في مواجهة هذا المدى، كانت تقف كنبة خشبية قديمة يجلس عليها أبي رحمه الله بعد التقاعد قبالة شجرة المشمش، كانت بسيطة من خشب صلب، وجعلتها السنوات التي جلس عليها الرجل تحمل شيئاً من وقاره، فكان يسند ظهره إليها ويترك نظره يتنقل بين الأغصان والمارة.

​لقد قضى أبي رحمه الله عمره في صخب السياسة والقانون ثم عاد بهدوء إلى إيقاع الأرض الساكن، فكان ينظر إلى الحديقة مراجعاً سنوات حياته؛ سنوات الصخب والصبر والإيمان بأن الوطن هو تلك العلاقة الطويلة بين الإنسان والأرض التي يقف عليها. وأحياناً كان يراقب الطريق الذي عبره كثيرون عرفوه في أيام العمل والمسؤولية فيلوحون له من بعيد، فيرفع يده بتحية هادئة ثم يعود إلى صمته، كأن الرجل الذي خبر عواصف الحياة اختار الإصغاء الآن إلى همس الشجر.
​كانت شجرة المشمش أول من يعلن الربيع وأول من يذكر بعبوره، إذ تزهر سريعاً وتغمر المكان بالبياض ثم تمضي بهدوء، وكان أبي رحمه الله يطيل النظر إليها كأنها تختصر درس العمر في أن الجمال يُقاس بعمق الأثر الذي يتركه.

​لقد حمل أبي رحمه الله هم القضايا مبكراً، فخرج من مدرسته وهو في الصف السادس طفلاً يحمل حلماً سياسياً أكبر من عمره، وظل الطريق يمتد أمامه سنوات طويلة حتى صار الرجل الذي يؤمن أن الدستور عهد بين الناس والوطن، وأن الحقوق المكتسبة جذور عميقة، فمن يقطع الجذور يترك الشجرة لمصير الريح.

​وفي هذه الليلة يتقاطع كل شيء، فالكعك في الفرن والأطفال حولنا والسماء تمتلئ بوميض الصواريخ العابرة، بينما يهتز زجاج النوافذ كأن البيت سفينة في بحر مضطرب، يركض الصغار نحونا وفي عيونهم ذلك الخوف الوليد من لغة الحرب، فنبتسم لهم ونعطيهم قطعة كعك دافئة ليتعلموا درساً محفوراً في الذاكرة، وهو أن الأرض أقوى من الضجيج العابر في السماء.

​هذا التناقض هو حقيقتنا الآن، فنحن نعد كعك العيد بروح أمي التي جمعت أصالة السلط بجمال جرش، ونتمسك بحقوقنا التي كفلها الدستور وفصلها أبي رحمه الله في مرافعاته الحياتية، نرقب السماء بعين ونرقب نضج الكعك بالعين الأخرى، لتتحول أصوات القصف في الأفق إلى خلفية بعيدة لحياتنا بينما ننشغل بتهدئة الصغار وبنقشة الكعك الدقيقة وبأخبار تعديلات قانون الضمان الاجتماعي التي تمس الاستقرار الذي نشأنا عليه، فالقلق على الضمان في ليل الصواريخ إعلان هادئ بأن الإنسان يخطط للبقاء وأن المستقبل يستحق التفكير فيه.

​وحين تفتح أمي باب الفرن تنتشر رائحة الكعك في البيت وتغلب للحظة على رائحة البارود البعيد، وفي تلك اللحظة أفهم أن هذا المشهد كله مرافعة طويلة تقدمها الحياة نفسها، فالكعك شهادة على نبض البيوت، والياسمين دليل على بقاء الجمال حتى في الأزمنة القاسية.

​أما أبي رحمه الله، فيبدو مبتسماً بصمت لعلمه بأن الوطن يُحفظ بهذه التفاصيل الصغيرة التي يصر الناس على حمايتها؛ أم تعجن العيد، وطفل يهدأ بقطعة كعك، وحديقة تقف فيها شجرة توت وعناب وياسمين وليمون يفوح بالعطر.

​ولعل هذا هو السبب في أن تلك الحديقة تبدو أكبر من مساحتها، فهي صورة مصغرة لوطن كامل؛ جذوره عميقة وصبره يشبه العناب وعطره ياسمين يفيض في المساء وربيعه يعود كل عام مثل زهر المشمش. هناك تعلمنا أن الوطن الذي بناه الآباء بالصبر والكرامة يبقى حياً في البيوت وفي الأشجار وفي الأطفال الذين يتعلمون من قطعة كعك دافئة أن الأرض تظل أرسخ من الخوف مهما اضطربت السماء.

مواضيع قد تهمك