الأخبار

نضال منصور : لم يسقُط النظام... قُتل المرشد فتُوّج نجلُُه

نضال منصور : لم يسقُط النظام... قُتل المرشد فتُوّج نجلُُه
أخبارنا :  

مات الملك... عاش الملك. وهكذا الحال في إيران، قُتل المرشد علي خامنئي، فتُوّج نجلُه مجتبى مرشداً جديداً. ونظرية قطع "رأس الأفعى"، التي راهنت عليها أميركا وإسرائيل، وأن اغتيال مرشد الثورة سيُحدث الفوضى، ويُسقط النظام الإيراني في أيام، فتُرفع الرايات البيضاء، لا تبدو أكثر من سذاجة ووهم، وأقرب إلى فيلم "أكشن" يحدث فقط في استديوهات هوليوود. اغتيل المرشد ولم يسقط النظام، ولا يُتوقَّع أن يحدث هذا. وصحيفة وول ستريت جورنال ذكرت أن تقريراً سرّياً أعدّته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) أشار إلى أن مقتل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية قد لا يؤدّي إلى انهيار النظام الإيراني كما يتمنّى بعضهم، بل قد يفتح الباب أمام تيار أكثر تشدّداً داخل الحرس الثوري، يحكم البلاد بقبضة حديدية.

يستهزئ الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي بما يحدث فيكتب مسترجعاً العدوان الإسرائيلي على إيران في يونيو/ حزيران من العام الماضي (2025): "نهض شعبنا كالأسد، وهزّ زئيرنا طهران، وتردّد صداه في العالم كلّه، وتبيّن أن هذا الزئير ليس إلا صوت فأر". وهو يقصد أن نظام طهران، بعد ضربة استمرّت 12 يوماً، نهض وأعاد بناء ترسانته العسكرية، وهو يخوض حرباً جديدة.

مضى أكثر من أسبوع منذ بدء الحرب، وهناك أسئلة مفصلية قد لا تجد إجابات حاسمة وقاطعة، منها: متى تنتهي هذه الحرب المجنونة؟ وما تداعياتها على العلاقات الإيرانية الخليجية بعد أن وصلت صواريخ طهران ومسيراتها إلى العواصم الخليجية؟ وهل ستشارك أطراف إقليمية أخرى في الحرب التي أشعلتها تل أبيب واستدرجت واشنطن إليها؟ ولماذا تتفرّج قوى عظمى مثل روسيا والصين وأوروبا، ولا يتحرّكون على الأقلّ لوقف الحرب؟

بعد أن تتوقّف صافرات إنذار الحرب سيكون مجلس التعاون الخليجي أمام مراجعات تاريخية لاستعادة ثقة العالم بأنه ملاذ آمن بعيداً عن الصراعات

في ظلّ هذا التوحّش الذي يقوده الثنائي ترامب ونتنياهو، نستذكر ما قيل عن الزعيم الروسي نيكيتا خروتشوف حين ضرب بحذائه على منبر الأمم المتحدة، عندما تعرّضت بلاده لانتقادات. وسواء كانت هذه الرواية دقيقة أو مبالغاً فيها، فإن زمن التوازن الاستراتيجي قد ولّى، والعالم متعدّد الأقطاب يخضع لاختبار حقيقي، فالقادة الإيرانيون اكتشفوا أن حلفاءهم (روسيا والصين) نمورٌ من ورق، وحتى مصالحهم لا يدافعون عنها بقوة.

الكلام أن روسيا تزوّد إيران بمعلومات وبيانات عن الأصول الأميركية في المنطقة، وحديث دبلوماسيين روس إنهم ليسوا على الحياد وإنما يساندون طهران، لا يراه كاتب هذه السطور، ولا يظنّ أنه يقنع الشعب الإيراني، ولسان حالهم ما قاله الشاعر الراحل محمود درويش: "يا وحدنا".

رهانات الرئيس الأميركي ترامب على ضربة خاطفة لإيران، وحرب لا تستمرّ سوى أيام، لم تكن بالتأكيد تقديرات دقيقة. والواضح أن إيران ما زالت تقاوم وتطلق الصواريخ، وتهدّد إسرائيل، وتُحدِث تهديدات موجعة لدول الخليج. والسؤال الذي لم تجب عنه التقارير الاستخبارية: ما هو مخزون طهران من الصواريخ الباليستية؟ وهل نفدت، أم هناك استراتيجية تتبعها القيادة الإيرانية لإدامة حرب استنزاف تفرض على الدول التدخّل والضغط لوقفها؟ صدق توماس فريدمان في مقاله في "نيويورك تايمز" أخيراً: "إنهاء الحرب يعتمد إلى حد كبير على أسواق النفط والأسواق المالية أكثر من اعتماده على الأوضاع العسكرية في الداخل الإيراني".

يبدو أن الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي - الأميركي لإيران عميق

وبعد محاولات إيران إغلاق مضيق هرمز، وتراجع إنتاج دول الخليج من البترول والغاز، يقف العالم متأهباً وقلقاً، بمَن فيهم سيّد البيت الأبيض الذي يُدرك أن أزمةً اقتصاديةً متصاعدةً داخل أميركا ستهدّده في عقر داره. ولا يُستبعَد تحالفٌ بين الجمهوريين والديمقراطيين لوقف استفراده في قرار الحرب واستمرارها، وربما يفقد في الانتخابات النصفية، في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، تفوقه ويخسر الأغلبية في الكونغرس.

لم تواجه دول الخليج العربي تحدّياً خطيراً منذ الاحتلال العراقي للكويت عام 1990، والسؤال المُلحُّ: هل حصّنت القواعد الأميركية بلدانهم أم زادت في تعرّضهم للخطر؟ وفي الحرب الدائرة، هل حمتهم من الاستهداف الإيراني أم ظلّت الأولوية الأميركية حماية إسرائيل فقط؟ خرج الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ليُطمئن دول الخليج أن استهدافهم لن يتكرّر، وواضح أن قرار الحرب ليس بيده، واستمرّت الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية تهاجم أهدافاً خليجية. والتبرير أنها تهاجم القواعد الأميركية لم يعد يقنع شعوب دول الخليج وقادتها، ولا يجد له حجّةً دامغةً حتى في القانون الدولي، وتحوّل المعركة إلى صراع إيراني خليجي تستثمر به إسرائيل يخلط الأوراق، ويعمّق الأزمة، ولا تُعرف مآلاتها. ما زالت إيران تراهن أن الضغط العسكري على دول الخليج سيجبرهم على تحرّك جماعي لإقناع الرئيس ترامب بأن الأوان قد حان لوقف الحرب. وهناك معلومات بأن السعودية تقود مساراً غير مُعلَن لوقف فوري للحرب والعودة إلى المفاوضات. وبعد أن تتوقّف صافرات إنذار الحرب سيكون مجلس التعاون الخليجي أمام مراجعات تاريخية لاستعادة ثقة العالم بأنه ملاذ آمن بعيداً عن الصراعات، وعليه أن يجد شفرته الخاصّة لحماية أمنه القومي بمعزل عن المظلّة الأميركية.

تعرف إسرائيل ما تريده من الحرب على إيران أكثر ممّا يعرفه ترامب

ظلال الحرب في الداخل الإيراني مستمرّة، ويبدو أن الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي - الأميركي لإيران عميق. ورغم مرور أشهر عديدة على العدوان الأميركي – الإسرائيلي السابق، فإن خلايا التجسّس ظلّت فاعلةً، ولم تتمكن السلطات الإيرانية من اجتثاثها، بل استطاعت تلك الخلايا، على العكس، تقديم المعلومات الدقيقة لاغتيال المرشد وعديدين من القادة في الساعة الأولى من المعركة، وهو اختراق يماثل ما حدث عند اغتيال حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية في بيروت. الضربة الموجعة لإيران باغتيال المرشد لم تجعلها تجثو على ركبتيها، فالنظام الإيراني تركيبة معقّدةٌ في بعدها العقائدي والعسكري والأمني. وفي قمّة الهرم، بمعزل عن المرجعية الدينية، إمبراطورية الحرس الثوري التي تكاد تكون عابرةً للبلاد في كلّ التفاصيل.

أحد السيناريوهات المهمة: هل تستطيع واشنطن أن تُشكّل مستقبل إيران كما فعلت في فنزويلا، فتصنع صفقةً مع القادة الحقيقيين في طهران تطوي صفحة الحرب وتؤمّن مصالح الولايات المتحدة؟ من يراقب كلام ترامب يجد أن أمنيته هي في أن يتحقّق حلمه بحكومة إيرانية موالية لواشنطن بعد عقود من العداء للشيطان الأكبر. وهذا نصره الحقيقي، أن يسيطر على دولة غنيّة بمواردها. الكلام كلّه عن أهداف الحرب، بدءاً من سردية أن إيران تهدّد أميركا، مروراً بإسقاط نظام الحكم، غبار لا قيمة له يسقط أمام أول صفقة محتملة. وربما تعرف إسرائيل ما تريده من الحرب على إيران أكثر ممّا يعرفه ترامب ويدركه. فالمتابعون يرون أن إعلان الحرب على إيران استراتيجية من دون خطّة خروج. وتصف صحيفة الإيكونومست، في هجوم لاذع على الرئيس الأميركي، ما حدث بأنه "حرب حمقاء يخسر منها العالم أجمع، ولا تخدم سوى حفنة من المهوسين المتطرّفين".

ما زالت الحرب جحيماً يهدّد العالم، وكلّ قواعد القانون الدولي داستها بساطير الطغاة، والدم شلّال مستمرّ لا يتوقّف، ولا نملك إلا أن نترقّب نهاية هذه المأساة التي صنعها مجانين هذا العصر.

ــ العربي الجديد

مواضيع قد تهمك