د. خالد الشقران : ما بعد الحرب.. وتوازنات الهيمنة
حين تضع الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية أوزارها، فإن ما سيتحدد لن يكون حجم الخسائر العسكرية بقدر ما سيكون شكل النظام الإقليمي الذي سيولد من تحت ركامها، خاصة وأننا أمام صراع يتعدى حدود الاشتباك المباشر إلى صراع على تعريف من يمتلك حق رسم قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، ومن يملك سلطة فرض معادلات الردع وترتيب شبكات التحالف، فإذا انتهت المواجهة بخسارة إيرانية واضحة فإنها ستفتح الباب أمام إعادة تشكيل عميقة في توازنات الإقليم ولن يكون السؤال الأكثر أهمية: من انتصر عسكريا؟ بل: من سيملأ الفراغ السياسي والاستراتيجي الذي سيلي ذلك؟ فالهزائم الكبرى لا تعيد رسم الخرائط فحسب، بل تعيد صياغة مفاهيم الردع والتحالف والشرعية، وعليه فإن الفراغ الاستراتيجي الناتج عنها لن يبقى معلقا في الهواء، بل سيتحول إلى مساحة تنافس محموم لملئه، وفي مقدمة المتقدمين لاحتلاله ستكون إسرائيل مدعومة بثقل اميركي.
المسألة هنا لا تتعلق بانتصار عسكري تقليدي، بل بتحول بنيوي في توازن القوى، يستوجب طرح مجموعة من التساؤلات من أهمها: هل يتحول التفوق العسكري الى تفوق سياسي دائم؟ وهل يترجم تراجع محور إقليمي إلى صعود مشروع هيمنة يعيد صياغة خرائط النفوذ وحدود الحركة للدول العربية والإقليم؟ أم إن موازين الردع المركبة، وتشابك المصالح الدولية، ووزن الجغرافيا السياسية، ستمنع انفراد قوة واحدة بتقرير مصير المنطقة؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد ملامح ما بعد الحرب، وهي أسئلة تمس جوهر القضية الفلسطينية، ووضع الضفة الغربية والقدس، واستقرار لبنان، ومستقبل حل الدولتين، قبل أن تمس أي ملف آخر.
إذا خرجت إسرائيل من المواجهة وقد نجحت، بدعم مباشر من الولايات المتحدة، في تحجيم النفوذ الإيراني عسكريا وإقليميا، فستجد نفسها أمام لحظة إغراء تاريخي يتعلق بتحويل التفوق العسكري إلى هندسة سياسية للمنطقة، غير أن الهيمنة قد لا تكون بالضرورة قرارا أحاديا، بل ربما تكون معادلة مركبة تتداخل فيها إرادة القوى العربية، وحسابات ومصالح القوى الكبرى، وممانعة المجتمعات التي ترفض الخضوع لمنطق الغلبة.
احتمال هيمنة إسرائيل على المنطقة يرتبط بثلاثة شروط، أولها تفكك النظام الإقليمي العربي وعجزه عن إنتاج مقاربة جماعية للأمن القومي، ثانيها استمرار الغطاء الأميركي بلا قيود سياسية أو أخلاقية، ثالثها غياب كلفة حقيقية لأي تمدد إسرائيلي، سواء في فلسطين أو في الجوار، ففي حال توافرت هذه الشروط، ستسعى تل أبيب إلى تثبيت واقع فلسطيني وإقليمي جديد يقوم على تفوق أمني دائم، وشبكة تطبيع واسعة، وإدارة صراعات منخفضة الحدة بدل الحروب الشاملة.
في الضفة الغربية والقدس، ستتعاظم شهية الحسم، والحديث هنا عن محاولة فرض وقائع ديموغرافية وجغرافية تجعل قيام دولة فلسطينية أمرا بالغ الصعوبة، من خلال تكثيف مشاريع الضم الزاحف، وتوسيع الاستيطان، وتكريس السيطرة على القدس، وإعادة تعريف العلاقة القانونية مع السكان الفلسطينيين، كلها ستعود إلى الواجهة بزخم أكبر إذا شعرت إسرائيل أن ميزان القوى الإقليمي يميل بقوة لصالحها، غير أن هذا المسار يحمل في داخله بذور انفجار طويل الأمد، إذ لا يمكن لأي هندسة قسرية أن تنتج استقرارا حقيقيا في أرض ما زالت قضيتها حية في وجدان شعبها وامتدادها العربي والإسلامي.
أما في لبنان، فالمعادلة أكثر تعقيدا، صحيح أن أي إضعاف استراتيجي لإيران سينعكس حتما على وضع حلفائها، ما قد يغري إسرائيل بتوسيع نطاق تحركاتها الأمنية أو فرض ترتيبات حدودية جديدة، لكن الذهاب نحو احتلال أراض لبنانية إضافية سيضعها في مواجهة مباشرة مع معادلات دولية وإقليمية شديدة الحساسية، وسيعيد فتح جبهة استنزاف مكلفة، خاصة وأن التجارب السابقة أظهرت أن الأرض اللبنانية لا تمنح شرعية مجانية لأي قوة خارجية، وأن كلفة البقاء فيها أعلى بكثير من كلفة الدخول إليها.
يبقى السؤال الجوهري: ماذا عن حل الدولتين؟ إذا انتهت الحرب بهزيمة إيرانية من دون تسوية سياسية شاملة، فستتعزز داخل إسرائيل التيارات الأكثر تطرفا والتي ترى أن اللحظة مواتية لإغلاق ملف الدولة الفلسطينية نهائيا، غير أن تجاهل هذا الحل سيبقي الصراع مفتوحا بأشكال جديدة، وقد يدفع المنطقة نحو دورات عنف متكررة، إذ على الرغم من كل ما أصاب حل الدولتين من تآكل، إلا أنه ما زال الإطار الوحيد القابل لتسويق دولي واسع، والقادر على توفير حد أدنى من العدالة السياسية للشعب الفلسطيني وضمان أمن متبادل للفلسطينيين والإسرائيليين وكذلك للمنطقة برمتها.
في المحصلة، المنطقة بعد الحرب لن تكون كما
قبلها، فإما أن تنزلق نحو نظام إقليمي قائم على تفوق قوة واحدة وإدارة
الصراعات بالقوة، وإما أن تدرك الدول العربية أن الفراغ يولد الهيمنة،
فتتحرك لبناء منظومة أمن جماعي تعيد التوازن وتحمي المصالح العليا، وعليه
فإن الرهان الحقيقي ليس على نتيجة المعركة العسكرية، بل على وعي ما بعدها
وما سيترتب عليها من نتائج، فإما أن تكتب خرائط الإقليم بلغة الغلبة، وإما
أن تعاد صياغتها بمنطق الشراكة والحق والسيادة، بيد أن المسؤولية هنا تقع
على عاتق العواصم العربية قبل غيرها، وهو ما يتطلب منها أن تتحرك وتنسق
بشكل جمعي، وأن تضع استراتيجية مشتركة تمنع تحويل لحظة الحرب إلى عهد دائم
من الاختلال. ــ الراي