الأخبار

فراس النعسان : أنفاس «حزب الله» الأخيرة

فراس النعسان : أنفاس «حزب الله» الأخيرة
أخبارنا :  

دخل «حزب الله» الحرب لأنه يدرك أن بقاءه بات مرتبطاً مباشرة بمصير النظام الإيراني. فالتطورات العسكرية والسياسية الأخيرة لم تعد مجرد مواجهة إقليمية عابرة، بل تحولت إلى تهديد وجودي للمحور الذي شكّل أساس قوة الحزب منذ نشأته. وبالنسبة لقيادته، فإن الوقوف خارج المعركة لم يعد خياراً واقعياً، لأن سقوط النظام في طهران يعني عملياً بداية نهاية الحزب بصيغته الحالية.

منذ الثمانينيات، لم يكن حزب الله تنظيماً لبنانياً مستقلاً بالكامل، بل جزءاً عضوياً من منظومة إقليمية تقودها إيران. الدعم المالي والعسكري والتقني، إضافة إلى الغطاء السياسي، جعل الحزب أقوى فاعل غير دولتي في المنطقة. هذه القوة لم تُبنَ فقط على السلاح، بل على وجود دولة راعية توفر العمق الاستراتيجي والاستمرارية. لذلك، فإن أي ضربة حاسمة لإيران لا تُضعف الحزب فحسب، بل تسحب الأرض التي يقف عليها.

اليوم يواجه الحزب معادلة قاسية، إذا بقي خارج الحرب وانتظر نتائجها، فقد يجد نفسه بعد انتهائها بلا داعم استراتيجي، وبلا قدرة على إعادة بناء توازنه العسكري أو السياسي. أما الدخول في الحرب، رغم مخاطره الهائلة، فيمنحه فرصة - ولو ضئيلة - لتغيير مسار الأحداث أو فرض واقع تفاوضي جديد.

هذا النوع من القرارات لا يُتخذ عادة في لحظات القوة، بل في لحظات الشعور بقرب الخطر الوجودي. فالتنظيمات المسلحة التي تعتمد على راعٍ إقليمي غالباً ما تقاتل دفاعاً عن مركز الدعم قبل أن تقاتل دفاعاً عن نفسها. ولهذا يبدو دخول حزب الله المعركة أقرب إلى خطوة اضطرارية منه إلى مبادرة هجومية محسوبة.

التاريخ يقدم نماذج مشابهة. عندما شعرت أنظمتها بأن نهايتها تقترب، لجأت قوى عديدة إلى توسيع الصراع أملاً في خلط الأوراق. العراق خلال حرب الخليج حاول نقل المواجهة إلى نطاق أوسع، ليس لأنه يملك التفوق، بل لأنه كان يبحث عن مخرج سياسي من هزيمة شبه مؤكدة. المنطق ذاته يظهر عندما تصبح الحرب الخيار الوحيد المتبقي أمام لاعب يشعر أن الزمن يعمل ضده.

في حالة حزب الله، المشكلة أعمق من مجرد خسارة عسكرية محتملة. فالحزب يواجه تغيراً في البيئة التي عمل داخلها لعقود. لبنان يعيش انهياراً اقتصادياً غير مسبوق، والمزاج الشعبي لم يعد متقبلاً لحروب طويلة، فيما تتغير أولويات المنطقة نحو الاستقرار الاقتصادي والتنمية. هذا يعني أن أي حرب مفتوحة ستستنزف رصيده الداخلي بسرعة أكبر مما حدث في صراعات سابقة، خصوصاً مقارنة بحرب 2006 التي جرت في ظروف مختلفة تماماً.

إضافة إلى ذلك، فإن طبيعة الصراع الحالي تختلف عن المواجهات السابقة المحدودة. فالحرب لم تعد مواجهة حدودية قابلة للضبط، بل صراعاً واسعاً تتداخل فيه قوى دولية كبرى، ما يقلل قدرة أي طرف غير دولتي على التحكم بمسار التصعيد أو توقيت نهايته.

لهذا يمكن فهم قرار الحزب باعتباره خياراً بين نهايتين، نهاية بطيئة بعد خسارة إيران، أو مخاطرة كبرى عبر الدخول في الحرب على أمل إعادة تشكيل المعادلة. في الحالتين، يدرك الحزب أن المرحلة التي وفّرت له الصعود والنفوذ الإقليمي تقترب من نهايتها.

الحرب الحالية، إذاً، ليست حرب توسع بالنسبة لحزب الله، بل حرب أنفاس أخيرة. إنه يقاتل لأنه يرى أن عدم القتال لن ينقذه، وأن المعركة - مهما كانت كلفتها - قد تكون الفرصة الوحيدة لتأجيل النهاية أو إعادة تعريف دوره في شرق أوسط يتغير بسرعة غير مسبوقة.

مواضيع قد تهمك