الأخبار

محمد صابرين : «إعادة الحسابات» في الشرق الأوسط

محمد صابرين :  «إعادة الحسابات» في الشرق الأوسط
أخبارنا :  

لحظة الحقيقة تقترب بشدة في الشرق الأوسط. ومن المؤكد أن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران فرضت على دول المنطقة، وحاولت أن تمنعها بكل قوة وفشلت. وعلى الأرجح أن دول المنطقة تجري عملية إعادة الحسابات، بل وتدرس العواصم العربية والاقليمية «التفاصيل الدقيقة «للأزمة، والمساحات الرمادية فيها، وكيف وصلت الأزمة إلى حد تفجير المنطقة بهذا الحد الخارج عن السيطرة، وما هي الدروس المستفادة من الأزمة.

امتدّت تداعيات الحرب إلى جميع دول المنطقة، وخاصة مصر والأردن وتركيا والعراق، ودول الخليج بصورة مباشرة او درجات متفاوتة، بعدما طالت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية قطر والسعودية والإمارات والبحرين والكويت وسلطنة عُمان، متسببة بحالة ذعر وسقوط ضحايا، رغم أن هذه الدول لم تشن هجمات ضد إيران.

ويرى المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية خالد الجابر أن إطالة أمد النزاع قد تشكّل «نقطة تحوّل حقيقية بالنسبة إلى الخليج، تعيد تعريف الطريقة التي تنظر بها الدول إلى الأمن والتحالفات وحتى إلى مستقبلها الاقتصادي على المدى الطويل».

من جهتها، تعتبر المتخصصة في شؤون دول الخليج لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية كاميي لون أن دول الخليج تخسر من جهتين، إذ إن «التصعيد مع إيران يُظهر أن التقارب الدبلوماسي لم يكن كافيًا، وأن كل الاستثمار في الأمن مع الولايات المتحدة لم يحمها». وتشير إلى أن الدول التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل، مثل الإمارات العربية المتحدة، وجدت نفسها في الخطوط الأولى للرد الإيراني.

وتضيف أن «تساؤلات كبيرة لا تزال قائمة حول قدرتها على التأثير في سياسة واشنطن، فمنذ أشهر وهي تحاول تجنّب تصعيد إقليمي، لكن ترامب لا يصغي إليها». كما ترى أنه رغم الاستثمارات الباهظة في المعدات العسكرية الأميركية، فإن «عددًا قليلًا» من دول الخليج يملك القدرة على الدفاع عن النفس، في ظل غياب مقاربة أمنية مشتركة وقلّة الخيارات المتاحة.

وفي ظل التطورات المتلاحقة، تبدو المنطقة أمام مرحلة إعادة تشكيل شاملة، حيث يتراجع نفوذ تحالف إقليمي كان يُنظر إليه كركيزة استراتيجية لإيران، والذي يقول عنه الغرب تحالف ايران و أذرعها في المنطقة، فيما تنفتح أسئلة واسعة حول شكل التوازنات الجديدة وحدود القدرة على احتواء التصعيد.

وثمة توافق في الآراء بين جميع الخبراء، ودوائر صنع القرار بالمنطقة وخارجها، أننا نشهد ملامح شرق أوسط جديد. وعلى الأرجح أن الشكل النهائي لم يحسم بعد، وأن فصولا جديدة سوف تكتب بالحديد والنار.

وهذه الجولات المقبلة لن تكون اقل عنفا وخطورة عما مرت به المنطقة في العامين الماضيين، ولقد أضعفت الضربات العسكرية الإسرائيلية المتلاحقة منذ حرب غزة عام 2023 ما يُعرف بـ»محور المقاومة»، ودفعت النفوذ الإقليمي لإيران إلى مواجهة تحدٍّ وجودي يهدد بإعادة رسم موازين القوى في المنطقة.وأعاد التصعيد العسكري الواسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى رسم المشهد الإقليمي على نحو دراماتيكي، واضعًا ما يُعرف بـ»محور المقاومة» أمام أخطر اختبار منذ بروزه كتحالف عابر للساحات. فهذه الشبكة التي شكّلت لسنوات ركيزة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، تتعرض اليوم لتآكل متسارع بعد ضربات متلاحقة أصابت بنيتها العسكرية والسياسية، وهددت بتغيير جذري في موازين القوى. بل واعادت للواجهة تساؤلات حول الشراكات والتحالفات، وجدواها وحدودها، ومدى نجاعة الخيارات المتاحة، وأين ينتهي فعالية الحلول الدبلوماسية، ويبدأ الاحتكام للسلاح.

ومن ناحية أخرى تجري الدول على طرفي الأزمة تقييمات لمدي فعالية التنظيمات المسلحة في جولات الصراع الاخيرة، وهل كانت رقما في المعادلة أم مثلت عبء، ولم تسعف ايران، وكانت وبالا علي مجتمعاتها، بل وخصما من قوة بلدانها.

ويشرح الباحث في «تشاتام هاوس» ريناد منصور أن كثيرًا من الفصائل العراقية التي انخرطت في الصراع «لا تملك القدرات العسكرية اللازمة لإحداث ضرر فعلي»، مشيرًا إلى أن القوى الأبرز أصبحت اليوم «مرتبطة بشكل وثيق بالدولة» وأكثر حذرًا في تحركاتها.

ويؤكد منصور أن معظم أطراف «محور المقاومة»، من حزب الله إلى الحوثيين في اليمن والفصائل الشيعية العراقية، «باتوا اليوم في مرحلة الحفاظ على وجودهم».

أما في اليمن، فلم يتجاوز موقف الحوثيين حتى الآن حدود الدعم الكلامي لإيران. ويوضح كبير الباحثين في مجموعة الأزمات الدولية المختص بالشأن اليمني أحمد ناجي أنهم يعتمدون «موقف انتظار محسوب، أو ربما نهجًا دفاعيًا».

ومع ذلك، يرى الكثير من الخبراء العرب أن «الخطر الوجودي» الذي يواجهه المحور «لا يعني بالضرورة أنه سيتفكك»، وأن هذه الشبكة تتجاوز بعدها العسكري، إذ تقوم أيضًا على روابط سياسية واجتماعية، ودينية متجذّرة داخل المجتمعات المحلية.

ومن ناحية أخرى، وبالرغم من أننا في قلب العاصفة، ولكن يمكن أن نرصد بعضا مما يتردد بقوة في أروقة الدوائر المطلعة بالمنطقة، ومن أبرزها:

اولا: الحشد الأمريكي في المنطقة لأسباب أكبر بكثير من مجرد إسقاط نظام، وما يحدث الان هو إعادة صياغة شاملة للشرق الأوسط، وليس مجرد صراع مع نظام سياسي، وستنتهي هذه الحرب بتغيير كبير في الخرائط والحدود، قد تختفي دول وقد تظهر دول أخرى.

ثانيا:أي حديث عن الخسائر العسكرية أثناء الحرب مضلل وغير حقيقي، الحديث عن الخسائر يبدأ بعد نهاية المعركة، وما ينشره الإعلام يمكن اعتباره خسائر نسبية لكل طرف، لكن يمكن القول أن كل المشاركين في هذا الصراع خسروا وتألموا، بما فيهم أمريكا التي تعرضت لضربات قوية، ليس سهلاً عليها أن تخسر قواعد عسكرية بالكامل في يومين فقط، او ان يسقط لها ضحايا في هذه الحرب، ولكن غرورها يمنعها من الاعتراف بذلك!

ثالثا: الهدف الرئيسي من هذه المعركة هو السيطرة على المضائق والممرات البحرية الدولية، والمناطق التي تريد أمريكا السيطرة عليها هي مضيق هرمز، مضيق باب المندب، خليج عدن، البحر الأحمر، تيران وصنافير، قناة السويس، مضيقي البوسفور والدردنيل، مضيق جبل طارق.

رابعا: الهدف من السيطرة على هذه الطرق الملاحية هو خنق الصين تجارياً، بعد تحولها في استراتيجية ترامب من خطر وجودي إلى منافس اقتصادي، والسيطرة على الطرق البحرية تهدف إلى كسر الصين اقتصادياً.

ويبقى أن الأزمة في بداية «الفصل الأكثر دموية»، والأمور مرشحة للتصعيد قبل أن تتضح الملامح النهائية للصراع، والنظام الإيراني يخوض صراع وجود، وإسرائيل تخوض حرب فرض إسرائيل الكبرى، والإمبراطورية الأمريكية تقاتل دفاعا عن هيمنتها الدولية، والعالم العربي بات ساحة صراع القوى العظمى والإقليمية. وأحسب أن خطورة اللحظة تستدعي رؤيتها بدقة، وتحليلها بواقعية وليس بالتمني.

مواضيع قد تهمك