عماد داود : دولةٌ تحترف الموت ولا تُتقن الحياة!
عماد داود
مات الرجل. وقبل أن يبرد، كان المجلس جاهزً!
لا تمرّ على هذه الجملة. قف عندها. لأن الدول التي تؤمن بما تقوله حين يموت قائدها تنكسر وتتشقق وتبكي وهي تتجادل. أما الدول التي تملك المجلس في الدرج، والأسماء موزّعة، والخطاب مُعلَّب، فتلك دولٌ كانت تعرف. أو أسوأ: كانت تنتظر. والفارق بين أن تعرف وأن تنتظر هو الفارق بين الغدر والصفقة، وكلاهما يُفضي إلى النتيجة ذاتها: شعبٌ لم يُسأل، وجثةٌ أتت في الموعد!
ورثوا نظامًا حوّل الكلام إلى عقيدة، والتراجع إلى فضيلة، والهزيمة إلى انتصار مؤجل لم يأتِ بعد ولن يأتي.
أربعة عقود من البيانات التي تبدأ بـ"سنلقّنهم درسًا لن ينسوه" وتنتهي بصمتٍ يُسمّى حكمةً استراتيجية. سليماني يُغتال في بغداد وسط النهار، بيانٌ بالثأر. فخري زاده يُصفّى أمام زوجته على طريقٍ إيراني، بيانٌ بأن الدم لن يذهب هدرًا. هنية يُغتال في غرفة ضيافة النظام نفسه، داخل طهران، في المبنى الذي يُفترض أنه يحمي ضيوفه، بيانٌ بأن العدو تجاوز كل الخطوط. ثم مات المرشد الأعلى في أول ضربة، وكان المجلس جاهزًا.
الخطوط الحمراء في قاموس هذا النظام ليست حدودًا يُدافع عنها. هي مساحة أداءٍ لجمهورٍ محلي يصفق ثم ينام!
والأداء له قواعده الصارمة: الصاروخ يُطلق بعيدًا عن الهدف الحقيقي، لأن إصابة الهدف الحقيقي تعني حربًا حقيقية تكشف ما خلف الستارة. البوارج الأمريكية كانت في مرمى الصواريخ الإيرانية سنوات. الجميع يعرف هذا. لكن البوارج لم تُمسّ. لأن مسّها يُنهي الأداء. فاختار النظام ما اختاره دائمًا: الضربة التي تملأ الشاشة ولا تُغيّر الواقع. الكاميكاز الياباني قاتل حتى الموت إيمانًا بقضيته. هذا النظام يُطلق الصواريخ إيمانًا بنشرة أخباره. وحين تسأل عن الفارق بين الاثنين، تجد إجابةً واحدة: الكاميكاز لم يُصدر بيانًا بعد الاصطدام.
المقاومة الحقيقية تدفع ثمنًا. هذا النظام صنع فلسفةً لتصدير الثمن إلى غيره. "لو لم نُقاتل العدو في بغداد قاتلناه في كرمانشاه"، قالها المرشد بفخرٍ يستحق أن يُدرَّس. لم يقل مَن دفع فاتورة بغداد. لم يذكر اليمنيين يموتون في البحر الأحمر دفاعًا عن معادلاتٍ لم يصنعوها. ولم يُشر إلى اللبنانيين الذين حملوا حربًا ليست حربهم في أجساد أطفالهم. محور المقاومة لم يكن محور مقاومة. كان نظام تصدير: إيران تُصدّر الخطر إلى مَن هم أضعف وتستورد هي لقب القائدة، وحين عاد الخطر إليها مباشرةً لم تجد من تُصدّره إليه. المحور كان يعمل في اتجاهٍ واحد. وحين انعكس، انكشف الهيكل بلا حشوة!
والهيكل كان فارغًا من البداية!
مَن أسقط صدام؟ مَن فتح العراق أمام النفوذ الأمريكي؟ مَن أبقى لبنان هشًّا يحتاج ضامنًا لا يأتي إلا بشروطه؟ مَن جعل الخليج يدفع مئات المليارات مقابل حمايةٍ أمريكية من تهديدٍ إيراني منضبط الحدود بدقةٍ مريبة؟ العدو المُصنَّع أغلى بكثير من الحليف المجاني. واشنطن تعرف هذه المعادلة، وطهران تعرف أن واشنطن تعرف، والاثنتان رقصتا أربعة عقود لأن الرقصة كانت مُربحةً للطرفين ومُكلفةً لكل مَن وقف على أرضها دون أن يُدعى. أربعة عقود من الصراخ "الموت لأمريكا" في الشوارع، وأربعة عقود من خدمة مصالحها في الملفات، من أفغانستان إلى العراق إلى سوريا. ولم تسقط هذه المفارقة بالصدفة. صُنعت بعناية مَن يعرف أن الصوت العالي يصرف الانتباه عن اليد الهادئة!
والآن تلك اليد تُشكّل مجلسًا!
لاريجاني يقول: "متماسكون في مواجهة أعدائنا." النظام الذي لم يستطع حماية ضيوفه في بيوته، ولا علماءه في طرقاتهم، ولا مرشده في مقره، يُخبرنا أنه متماسك. الدولة التي تحتل جزر جارتها وتُهدد بتصدير الإرهاب ورقةً تفاوضية، ثم تتفاجأ حين يُضرب قائدها، لم تفهم يومًا الفارق بين امتلاك الأسلحة وامتلاك الشرف. وقادةٌ لا يقفون فوق الشبهات ولا تحتها يحكمون بالتهويل، لأن التهويل هو السلاح الوحيد لمَن لا يملك ما يُدافع عنه سوى كرسيّه.
لكن المأساة الحقيقية ليست في هذا النظام. المأساة في مَن دفع ثمنه!
الشعب الإيراني أمضى أربعة عقود يتحمل عقوباتٍ صُمّمت لإيلامه هو لا قادته، ويحلم بحياةٍ عادية بينما تذهب ثرواته إلى حروب الوكالة، ويقف في طوابير الخبز بينما يقف قادته أمام كاميرات التهديد. لم يُسأل في 1979. ولم يُسأل حين قرر المرشد أن الكرامة تستلزم الكوبونات والعزلة. ولن يُسأل الآن حين يتشكّل المجلس الذي سيُقرر مستقبله في غرفٍ لا نوافذ فيها ولا شهود.
الدول الفاشلة حين تنهار لا تُنتج ديمقراطيات. تُنتج فوضى تملأها القوى الأسرع لا الأعدل. والمجلس الجاهز في ساعاتٍ يُخبرنا بهدوءٍ يُشبه الاعتراف أن تلك القوى كانت تنتظر قبل الضربة بوقت. الأسماء كانت جاهزة. الخطاب كان معلَّبًا. الصلاحيات كانت موزّعة. لم ينقص سوى المناسبة.
والمناسبة لا تصنعها الصدف في هذا الجزء من العالم!
هذا لا يُبرّئ الخارج. الدولة التي تتحدث عن حرية الشعب الإيراني اليوم هي ذاتها التي أسقطت مصدّق عام 1953 حين جرؤ على امتلاك نفط بلاده. والدولة التي تتحدث عن أمن المنطقة تحتل وتُهجّر وتبني على الأنقاض. الحكم على نظامٍ فاشل لا يعني أن البديل أنظف! يعني فقط أن الحقيقة تقف وحدها لأن كل الأطراف تخشاها!
الشعوب الواقعة بين نظامٍ فاشل وقوى تريد تفكيكه لمصالحها لا تجد مخرجًا في أيٍّ منهما. تجد نفسها في ملعبٍ يتشاور أصحابه على قواعده في غرفٍ أُغلقت قبل أن تُولد!
ومجلسٌ يتشكّل في ساعاتٍ هو أولى رسائل تلك الغرف!
وسؤالٌ واحد يبقى مفتوحًا، ليس لأن إجابته مجهولة، بل لأنها معروفة ولا أحد يريد نطقها:
حين تُوزَّع الأدوار وتُرسم الخرائط وتُسمَّى العواصم الجديدة، مَن الذي لم يجلس على الطاولة قط، ودفع كل شيء؟
الشعب الإيراني يعرف الجواب.
لكنه، مرةً أخرى، لم يُسأل!