فيصل تايه : على شفير الحرب .. الأردن وصوت العقل في عتمة الصراع الإقليمي
صبيحة هذا اليوم لم تكن كسابقتها، بل جاءت كصفعة تهز العالم، كأن المنطقة كلها وُضعت على منصة اختبار قاسية، حيث تتهاوى الشعوب في دوامة صراع لا تعرف حدوداً، والأفق يكتسي بالتهديد، والقرارات تتخذ في صمت قاتل، والمصالح تتشابك والمشاريع تتقاطع، في حين يصبح المستقبل رهينة لحسابات القوة والهيمنة، كأن الأرض نفسها صارت رقعة شطرنج، وأي حركة خاطئة قد تحرق كل شيء، وتترك الأمة بين رماد الغضب ووجع الانتظار ، والسؤال الذي يختنق في كل عقل يقظ : هل ستستمر المنطقة في الانجرار وراء جنون القوة، أم أن هناك سبيل لترويض هذا الصراع قبل أن تتحول كل لحظة إلى مأساة، ويصبح ثمن الصمت والخطأ لا يُحتمل؟
في قلب هذا المشهد المشتعل تتكشف خطوط القوة الكبرى بلا ستار، حيث إسرائيل بقيادة نتنياهو تعيد صياغة رواية الاحتلال نفسها بلباس جديد، تدعي الدفاع عن النفس، بينما ما زالت تزهق أرواح الأبرياء في غزة، ويستمر القمع في فلسطين، في الوقت ذاته تتحرك الولايات المتحدة كالمرشد الخفي، توجه المنطقة كلها نحو مسار يضمن تثبيت مشروع "إسرائيل الكبرى"، ويحول الصراعات الداخلية إلى أدوات لتوسيع النفوذ الأميركي والإسرائيلي معاً ، فكل خطوة إسرائيلية مدعومة من واشنطن، وكل قرار سياسي أميركي يترجم على الأرض إلى دمار ومعاناة إنسانية، ليس إلا جزءاً من شبكة معقدة، تبقي شعوب المنطقة رهينة حسابات لا تخدم سوى مصالح القوى الكبرى، وتجعل من دماء الأبرياء وسيلة لتمرير مشاريع القوة، وتحول المقاومة إلى ذريعة، والحق إلى لعبة سياسية باردة.
ولا يقتصر الخطر على إسرائيل وحدها، ولا على إيران وحدها، بل على الانسداد الذي تخلقه المشاريع الكبرى لكل صوت عقلاني، وعلى السعي المستمر لاستدراج الدول العربية إلى صراعات مفتوحة تستنزف الطاقات وتفكك اللحمة الوطنية ، فالقلق العربي من التوسع الإيراني ، ليس وهماً، بل واقع سياسي وأمني يفرض إدارة عقلانية ومسؤولة، بعيداً عن الانجرار إلى مواجهات مفتوحة تكرس الانقسامات، وتحول الشعوب إلى وقود لصراعات لا تخدم سوى أصحابها، بينما يبقى أمن الأمة واستقرارها على حافة الانهيار أمام مشاريع القوة الخارجية.
وفي مواجهة هذا الواقع المشتعل، يبرز الأردن كصوت العقل والضمير، موقف ثابت وحازم، يدرك خطورة التصعيد وضرورة حماية مصالح الأمة وصون الأمن والاستقرار، ومراعاة القانون الدولي، ومعالجة جذور الأزمة الفلسطينية قبل أي خطوات أخرى ، فلم يكن الأردن يوماً طرفاً في صراعات المحاور، ولم يتحول ساحة لتصفية الحسابات، بل ظل صوتاً للعقلانية والحكمة، يرفع نداء التهدئة، ويطالب بحل عادل وشامل، متجاوزاً كل محاولة لاستدراجه إلى صراعات تصنع في مكاتب القوى الكبرى، على حساب دماء الأبرياء ومستقبل الأجيال.
من الواضح ان السياسة التي تدار بلا ضمير قد تكسب معركة، لكنها تخسر المستقبل، والدين الذي يستخدم غطاءً للعنف يفقد جوهره الإنساني ، والأردن يرى أن حفظ النفس البشرية قيمة عليا، وأن رسالة الإسلام، كما كل الرسالات السماوية، جاءت لتصون الإنسان لا لتبرر قتله ، ولتقيم العدل لا لتشرعن الظلم ، ولتكون ميزاناً أخلاقياً يحتكم إليه في السياسة قبل أن يرفع في الخطب.
القوة الحقيقية ليست في إشعال الحروب، بل في إطفاء نيرانها ، وليست في توسيع ساحات الصدام، بل في تضييقها ، ليست في السيطرة على الآخرين، بل في حماية الإنسان وكرامته ، وفي زمن يعلو فيه صوت السلاح، وتختصر السياسة بلغة التهديد، يصر الأردن على أن يكون صوت العقل، لا ادعاء للحكمة، بل إدراكاً بأن البديل هو الفوضى الشاملة، وأن العرب، إن غفلوا عن مصالحهم الجماعية، سيبقون أسرى صراعات لا تخدم إلا غيرهم.
الأردن يرفع صوته ليقول إن السلام ضرورة، وأن استعادة الإنسانية في السياسة هي المعركة الكبرى قبل أي معركة أخرى، المعركة التي تسبق كل الصراعات المسلحة، وتثبت أن العقل، حين يقود، قادر على إخراج المنطقة من نيرانها إلى ضفاف الأمن والكرامة، وأن أي مشروع، مهما علا شأنه، يبقى عاجزاً أمام قوة الضمير والوعي الجماعي للأمة، أمام صوت العقل الذي يدرك أن ثمن الصمت أمام الاستغلال والعدوان هو خضوع شعوب المنطقة لمشاريع لا تترك لها سوى الرماد.
وفي قلب هذا الواقع المشتعل، يظل الأردن، بصموده وعقله، كالشعلة التي لا تنطفئ في عتمة صراعات المنطقة، يُذكر العرب والعالم أن القوة الحقيقية ليست في ترهيب الآخرين، ولا في فرض الهيمنة، بل في حماية الإنسان وكرامته، وفي ترويض الحروب قبل أن تلتهم كل شيء، وفي صناعة السلام قبل أن يختنق الجميع في دوامة الدم والفوضى ، فالأردن يرفع صوته ليقول إن العقل والضمير هما السبيل لإنقاذ المنطقة، وأن كل مشروع، مهما علا شأنه، يبقى عاجزاً أمام إرادة الأمة الواعية، أمام وعينا الجماعي، أمام صوت من يختار العقل والضمير على النار والخراب، أمام شعلة لا تنطفئ مهما حاولت الرياح أن تطفئها.
والله المستعان