أ. د. اخليف الطراونة : التعليم العالي في الأردن: إلى أين يقودنا رقم الـ700 ألف طالب؟
ثمة سؤال يستحق أن يُطرح بهدوء، ولكن بجرأة: ماذا يعني أن يقترب عدد طلبة التعليم العالي الأردنيين من ثلثي مليون طالب خلال سنوات قليلة؟.
ليس هذا رقماً عابراً في تقرير إداري، ولا تفصيلاً إحصائياً في أرشيف وزارة، بل هو مؤشر عميق على تحوّل اجتماعي واقتصادي يمسّ بنية المجتمع الأردني ومستقبله معاً.
تشير الأرقام الأحدث إلى أن نحو 480 ألف طالب أردني يجلسون اليوم على مقاعد الدراسة بمرحلة التعليم العالي داخل المملكة. يتوزعون بين287 ألفاً في الجامعات الرسمية، التي ما تزال تمثل العمود الفقري للتعليم العالي الوطني، 193ألفاً في الجامعات الخاصة التي واصلت توسعها خلال العقدين الأخيرين، إلى جانب 52 ألفاً في الكليات الجامعية المتوسطة التي يفترض أن تشكل الذراع التقنية للنظام التعليمي.
وإلى جانب هؤلاء، اختار الأردن أكثر من 55 ألف طالب أجنبي من مختلف أنحاء العالم ليكون محطةً لعلمهم وطموحهم. وهذا الرقم، في حد ذاته، ليس تفصيلاً ثانوياً، بل شهادة متجددة على أن التعليم العالي الأردني ما يزال يمتلك رصيداً من الثقة يتجاوز حدوده الجغرافية.
لكن القصة لا تنتهي عند حدود الوطن.
فخارج الأردن، هناك ما يقارب 45 ألف طالب أردني يدرسون في جامعات العالم. بعضهم ذهب بحثاً عن تخصص لم يجده هنا، وبعضهم سعياً وراء فرصة يعتقد أنها أوسع. وفي الحالتين، فإن الرقم يثير تأملاً مشروعاً: هل نحن أمام خيار فردي طبيعي في عصر العولمة، أم أمام مؤشر على فجوة ينبغي التوقف عندها؟.
وعندما ننظر إلى المستقبل، تصبح الصورة أكثر إثارة للتفكير.
فالتوقعات الواقعية تشير إلى أنه بحلول عام 2030 سيصل عدد الطلبة داخل الأردن إلى نحو 640 ألف طالب، إضافة إلى ما يقارب 60 ألف طالب أردني في الخارج. أي أننا سنكون أمام مجتمع تعليمي يضم حوالي700 ألف طالب.
هنا تحديداً، لا يعود السؤال عن العدد، بل عن المعنى.
هل نحن أمام قصة نجاح وطني تعكس إيمان الأردنيين العميق بالتعليم بوصفه طريقاً للارتقاء؟ أم أننا أمام تضخم جامعي قد يسبق قدرة الاقتصاد على الاستيعاب؟.
لقد كان التعليم العالي، عبر تاريخ الدولة الأردنية، أحد أهم أدواتها في بناء الإنسان وتعويض محدودية الموارد. ومن خلاله، صنع الأردن سمعته، وفتح أبواباً لأجيال كاملة داخل الوطن وخارجه.
غير أن المرحلة القادمة تبدو مختلفة.
فالتحدي لم يعد في أن نُدخِل أعداداً أكبر إلى الجامعات، بل في أن نضمن أن يقودهم التعليم إلى حيث ينبغي أن يكونوا: إلى المعرفة المنتجة، والعمل الكريم، والدور الفاعل في الاقتصاد والمجتمع.
إن رقم 700 ألف طالب ليس مجرد رقم مستقبلي. إنه مرآة لخياراتنا اليوم.
والسؤال الذي سيبقى معلقاً: هل سنكتفي بالاحتفاء بالعدد، أم سننصرف إلى صناعة الأثر؟.
ــ الراي