ممدوح سليمان العامري : في الذكرى السبعين لتعريب قيادة الجيش السيادة في بيئة استراتيجية مضطربة
ليست كل القرارات في تاريخ الدول متساوية في وزنها الاستراتيجي؛ فبعضها يندرج ضمن سياق الإدارة، وبعضها يؤسس لمسار، فيما تبقى فئة نادرة من القرارات تمثل لحظة تأسيسية تعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومصادر قوتها. وفي تاريخ الدولة الأردنية، شكّل قرار تعريب قيادة الجيش العربي في الأول من آذار عام 1956 نموذجا لهذا النوع من القرارات، بوصفه فعلًا سياديا أعاد تموضع الدولة الأردنية ضمن معادلة القوة، ورسّخ مبدأ أن السيادة لا تُعلن دستوريا فحسب، بل تُمارس فعليا عبر السيطرة الوطنية الكاملة على أدوات القوة.
حين اتخذ جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه قراره التاريخي بتعريب قيادة الجيش العربي، لم يكن ذلك مجرد استبدال قيادة وطنية بقيادة اجنبية، بل كان انتقالا نوعيا من مرحلة الاستقلال القانوني إلى مرحلة الاستقلال الاستراتيجي. فالجيش، في المفهوم البنيوي للدولة الحديثة، ليس مجرد مؤسسة أمنية، بل هو التعبير الأعلى عن سيادة الدولة، والضامن النهائي لاستمراريتها، والحارس الفعلي لشرعيتها في بيئة دولية يحكمها ميزان القوة بقدر ما تحكمها قواعد القانون.
لقد أدركت القيادة الهاشمية مبكرا أن الدولة التي لا تمتلك قرارها العسكري، لا تمتلك سيادتها الكاملة، وأن بناء جيش وطني محترف، مرتبط بعقيدة الدولة وهويتها ومصالحها، هو شرط أساسي لبناء دولة مستقرة وقادرة على البقاء في بيئة إقليمية مضطربة، وقد أسس قرار التعريب لهذا المسار، ليس فقط من خلال نقل القيادة، بل من خلال ترسيخ عقيدة عسكرية وطنية، قوامها الولاء للدولة، والاحتراف العسكري، والاستقلال في القرار، والجاهزية لمواجهة التحديات.
بعد سبعين عاما، تتجلى الأهمية الاستراتيجية لذلك القرار بوضوح أكبر، في ظل التحولات العميقة التي تشهدها البيئة الأمنية الإقليمية، فطبيعة التهديد لم تعد تقليدية، ولم تعد مقتصرة على المواجهة العسكرية المباشرة، بل أصبحت متعددة الأبعاد، تشمل التهديدات غير المتكافئة، والحروب الهجينة، والاختراقات السيبرانية، والحروب المعلوماتية، والتهديدات العابرة للحدود. وفي مثل هذه البيئة، تصبح المؤسسة العسكرية الوطنية، التي تمتلك عقيدة مستقلة، وقرارا سياديا، وقدرة على التكيف، هي الضامن الحقيقي للاستقرار الوطني.
نجح الجيش العربي، عبر مسيرته الممتدة منذ قرار التعريب وحتى اليوم، في التحول إلى مؤسسة عسكرية حديثة، تجمع بين الاحتراف القتالي، والانضباط المؤسسي، والقدرة على التكيف مع تطور طبيعة الصراع، ولم يعد دوره مقتصرا على الأدوار التقليدية، بل أصبح جزءا من منظومة الأمن الوطني الشامل، التي تشمل حماية الحدود، ومواجهة التهديدات غير التقليدية، والمساهمة في الاستقرار الإقليمي، والعمل ضمن تحالفات دولية، دون أن يفقد استقلالية قراره الوطني.
في هذا السياق، تبرز قيمة التعريب بوصفه قرارا لم يؤسس فقط لسيادة الدولة في لحظة تاريخية محددة، بل أسّس لقدرتها على التكيف مع التحولات الاستراتيجية اللاحقة، فالدولة التي تمتلك جيشا وطنيا عقائديا، تمتلك القدرة على إعادة التموضع، وعلى مواجهة التهديدات، وعلى حماية استقرارها، حتى في أكثر البيئات الإقليمية اضطرابا.
واليوم، في ظل قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة، يواصل الجيش العربي مسيرة التحديث والتطوير، ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى تعزيز قدراته العملياتية، وتطوير بنيته التكنولوجية، ورفع جاهزيته لمواجهة التهديدات المستقبلية. ويعكس هذا المسار استمرارية العقيدة التي أسس لها قرار التعريب، والتي تقوم على أن قوة الدولة تبدأ من قوة مؤسساتها، وأن الجيش الوطني هو الركيزة الأساسية لاستقرارها.
إن تعريب قيادة الجيش العربي لم يكن مجرد حدث عابر في تاريخ الأردن، بل كان لحظة تأسيسية في هندسة السيادة، وهو يذكّرنا بأن السيادة ليست شعارا سياسيا فقط، بل هي بناء مؤسسي طويل الأمد، يقوم على امتلاك القرار، وبناء القوة، وترسيخ العقيدة الوطنية.
وفي عالم يتسم بتسارع التحولات، وتزايد التهديدات، يبقى الجيش العربي، أحد أهم ضمانات استقرار الدولة الأردنية، واستمرارها، وقدرتها على مواجهة المستقبل بثقة واقتدار.
حفظ الله الأردن، وحفظ قيادته الهاشمية، وحفظ جيشه العربي المصطفوي، درع الوطن وسيفه، ورمز سيادته واستقراره.
*مدير التوجيه المعنوي الأسبق
ــ الراي