الأخبار

د. اسمهان ماجد الطاهر : استشراف المستقبل: السيادة الرقمية والمكانية في المنظومة العسكرية الأردنية

د.  اسمهان ماجد الطاهر : استشراف المستقبل: السيادة الرقمية والمكانية في المنظومة العسكرية الأردنية
أخبارنا :  

في عالمٍ لم تعد فيه الجغرافيا مجرد حدودٍ مرسومة،

بل فضاءاتٍ من البيانات والمعلومات المتقاطعة، يمضي الأردن بخطى واثقة نحو صياغة مفهوم جديد لـ"السيادة الرقمية والمكانية".

إن الرؤية الملكية السامية التي وجّه بها جلالة الملك عبد الله الثاني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، نحو إعادة هيكلة الجيش العربي، لم تكن مجرد إجراء تنظيمي، بل هي قفزة استراتيجية في عقيدة البناء العسكري، تهدف إلى نقل المؤسسة العسكرية من حيز القوة التقليدية إلى آفاق "القوة الذكية".

إن جوهر هذا التحول يكمن في إدراك القيادة الهاشمية بأن "أمن المستقبل" يُصنع في المختبرات بقدر ما يُصنع في الميادين، وأن الجندي الأردني اليوم هو "مقاتل تكنولوجي" يمتلك من أدوات القوة، وعلوم الفضاء، والذكاء الاصطناعي ما يجعله قادراً على قراءة مشهد التهديدات قبل وقوعها.

عندما نتحدث عن المؤسسات التقنية الوطنية التي وُلدت من رحم القوات المسلحة، فنحن نتحدث عن "أذرع الدولة المستشرفة للمستقبل".

هذه المؤسسات لا ترسم الخرائط فحسب، بل ترسم مسار التنمية المستدامة؛ فهي التي تمنح صانع القرار "الرؤية المستقبلية"، وهي التي تحول البيانات الجغرافية المعقدة إلى مشاريع نهضوية تخدم الزراعة، والمياه، والتخطيط الحضري، والأمن السيادي.

إن إعادة الهيكلة التي يقودها جلالة الملك ستجعل من الأردن منارةً إقليميةً في التكنولوجيا العسكرية والمدنية المدمجة. نحن أمام مرحلة تتلاشى فيها الحدود بين "البحث العلمي الرصين" و"الواجب الوطني المقدّس"، ليصبح الابتكار التقني هو الضمانة الحقيقية لاستقرار الدولة وازدهارها في إقليم مضطرب.

إن هيكلة الجيش العربي لم تكن مجرد تحديث للمعدات، بل هي في المقام الأول تطويرٌ للمنظومة الفكرية والمعرفية في استخدام هذه المعدات.

إنها الرؤية الملكية السامية التي تضع "الإنسان" في قلب المعادلة التقنية، من خلال تحويل المؤسسات التدريبية والأكاديمية العسكرية إلى حاضنات لإنتاج قادةٍ ميدانيين بمهارات تقنية متطورة ومبتكرة تسهم في تحقيق الأهداف الوطنية.

في هذا السياق، لم يعد التخصص الفني مقتصراً على هندسة السلاح، بل امتد ليشمل علوم الفضاء، وتحليل البيانات الضخمة (Big Data)، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني. إن الكوادر التي يتم تأهيلها داخل هذه المؤسسات التقنية الوطنية ليست مجرد فنيين، بل هم "باحثون استراتيجيون" يمتلكون القدرة على قراءة المتغيرات الجيوسياسية من خلال الخرائط الرقمية والصور الفضائية.

وكل ذلك يصب في صالح الاستثمار في رأس المال البشري، الذي يضمن للأردن أمرين حيويين، الأول الاستقلالية المعرفية، وتقليل الاعتماد على الخبرات الأجنبية في إدارة المشاريع الاستراتيجية الدقيقة. وثانيا ضمان نجاح التعاون والتكامل المدني–العسكري؛ فالكوادر التي تتدرب في المؤسسات العسكرية التقنية تصبح لاحقاً ركيزةً في تطوير القطاع المدني، مما يخلق بيئة وطنية متكاملة تدعم التنمية.

إن القوة الحقيقية للأردن لا تكمن في حجم جيشه فحسب، بل في كثافة المعرفة التي يمتلكها أفراده.

إن الرهان على الإنسان الأردني كان دائماً هو الرهان الرابح في مسيرة الهاشميين. واليوم، يتجدد هذا الرهان من خلال إعداد جيلٍ من الكوادر الفنية والتقنية القادرة على قيادة دفة التحول الرقمي والعسكري بثقة واقتدار. إن المؤسسات الوطنية التقنية، بتوجيهات جلالة الملك القائد الأعلى، لا تبني دعائم أمنية دفاعية فحسب، بل تبني جسوراً نحو المستقبل، حيث تمتزج فيها الحداثة التكنولوجية بالأصالة الوطنية.

إننا أمام مرحلة تاريخية تتطلب منا جميعاً، أكاديميين

وإعلاميين ومؤسسات، أن نكون شركاء في إبراز هذه الإنجازات، وأن ندعم جهود الكوادر الوطنية التي تعمل بصمت خلف الشاشات، ليبقى الأردن عزيزاً، منيعاً، وقادراً على مواكبة العصر بأدواته ومعرفته.

a.altaher@meu.edu.jo

مواضيع قد تهمك