غسان الطالب : نحو تفعيل حسابات الاستثمار القائمة على المشاركة: قراءة في نموذج المصرفية الإسلامية"
قبل أيام وتحديداً في 11/ شباط/ فبراير من هذا العام، عقد المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية في المدينة المنورة لقاءً استراتيجياً هو الثالث من نوعه عن الاقتصاد الإسلامي تحت عنوان: "نحو تفعيل حسابات الاستثمار القائمة على المشاركة: قراءة تنظيمية وتطبيقية في نموذج المصرفية الإسلامية".
ناقش اللقاء أهم مستجدات وتحديات الصناعة المالية الإسلامية، وكيف يمكن
تعزيز نمو الصناعة المصرفية الإسلامية من خلال نماذج الاستثمار القائمة على
المشاركة، ثم تعزيز مفاهيم تقاسم المخاطر المستدامة كأحد المرتكزات
الأصيلة للعمل المصرفي الإسلامي.
وبهذا الخصوص يقول رئيس مجلس إدارة مجموعة البركة والمجلس العام: "إن هذا
اللقاء الإستراتيجي يمثل محطة مفصلية في مسار تطوير العمل المصرفي
الإسلامي، ويعكس التزاماً جماعياً من قادة الصناعة بالعودة إلى جوهر
الشراكة والاستثمار الحقيقي كمرتكز أساسي للنمو والاستدامة، وأن التحولات
المتسارعة التي تشهدها الصناعة المالية الإسلامية، وما يصاحبها من تعقيد
تنظيمي وتنافسي، تفرض ضرورة تعزيز الحوكمة والشفافية والمساءلة في حسابات
الاستثمار، بما يضمن حماية حقوق أصحاب المصلحة، ويعزز الثقة طويلة الأمد،
ويدعم متانة القطاع في مواجهة التحديات المستقبلية".
وعلى لسان أمينه العام، أعلن المجلس في لقائه هذا عن إطلاق الخطة
الإستراتيجية للمجلس العام للفترة 2026–2029، والتي ترتكز على تعزيز الأطر
التنظيمية والرقابية الداعمة للمصرفية الإسلامية، ورفع كفاءة الحوكمة
المؤسسية، وبناء القدرات البشرية والمعرفية، إلى جانب تعميق الشراكات
الدولية وتوسيع نطاق التأثير العالمي للمجلس العام. وفي هذا السياق قال:
"حسابات الاستثمار القائمة على الشراكة تمثل جوهر القيمة المضافة التي
يقدمها العمل المصرفي الإسلامي، وعصب مساهمته في بناء نظام مالي أكثر عدالة
واستدامة".
إن إعادة تفعيل هذه الأدوات ضرورة استراتيجية لاستعادة مفهوم تقاسم المخاطر
الحقيقي، وتعزيز ثقة المودعين، وترسيخ الدور التنموي للمصارف الإسلامية.
ويوفر هذا اللقاء منصة نوعية لمعالجة التحديات التنظيمية والتشغيلية، ودفع
حلول عملية مبتكرة ومتوافقة مع الشريعة، ومن ضمن الأطر التي تم مناقشتها في
هذا اللقاء القيود التنظيمية والمحاسبية والتشغيلية التي تؤثر على الدور
الاستثماري الفعّال لهذه الحسابات، إضافة إلى التحديات المرتبطة بمواءمتها
مع المتطلبات المصرفية الحديثة مع الحفاظ على طبيعتها الاستثمارية، ثم
التركيز على الأساليب المؤسسية لتعزيز الحوكمة وترسيخ مبادئ تقاسم المخاطر،
وتحسين الشفافية وثقة أصحاب المصلحة، كذلك التركيز على الأولويات العملية
وورش العمل التطبيقية المستقبلية، مع التأكيد على أهمية الإصلاحات
التدريجية لضمان مواءمة أقوى بين الأطر التنظيمية ومبادئ الاستثمار القائمة
على الشريعة.
جميع هذه الأفكار ما تضمنه البيان الصحفي للمجلس في ختام أعماله التي شارك
بها نخبة من قادة الصناعة المصرفية الإسلامية، وإننا على يقين بحاجتنا
الماسة إلى العديد من اللقاءات والحوار المنفتح لتعزيز مسيرة الصناعة
المصرفية الإسلامية، وخاصة في التأكيد على تفعيل أداة المشاركة لما لها من
أهمية كبيرة في مجال الاستثمار الملتزم بأحكام الشريعة الإسلامية، والتي
تحدثنا عنها مراراً ومن خلال هذه الصفحة في جريدة الغد، كما تحدثنا أيضاً
عن المخاطر والتحديات التي تواجه هذه الصناعة، ثم عن الشفافية والحوكمة
بعشرات المقالات، لكن ما لفت انتباهنا هو الحديث عن "ضرورة تعزيز الحوكمة
والشفافية والمساءلة في حسابات الاستثمار، بما يضمن حماية حقوق أصحاب
المصلحة، ويعزز الثقة طويلة الأمد، ويدعم متانة القطاع في مواجهة التحديات
المستقبلية". فالسؤال هنا: ما المقصود بأصحاب المصلحة؟ هل هم أصحاب رأس
المال أم هم المستثمرون في المصرف؟ ورأينا المتواضع أن كلا الطرفين هما
العمود الفقري والأساس لعمل المصرف، ولا يجوز تغليب مصلحة أي طرف على
الآخر، فصاحب رأس المال من حقه أن يبحث عن الربح وهو مشروع وتقره الشريعة،
كما أن المستثمر يبحث عن الأمان لاستثماراته وعن الشفافية.
ونؤكد هنا كذلك بأننا بحاجة إلى استراتيجية لبناء قاعدة معرفية وبحثية
للمصرفية الإسلامية، مبنية على الالتزام بأخلاقيات وأحكام الشريعة
الإسلامية، وإعطائها أولوية استثنائية وسبل الدعم المادي للوصول إلى
الأهداف المرجوة للارتقاء بصناعتنا المصرفية إلى مستوى الطموح، وبالتالي
سوف نصل إلى حسن إدارة العمليات الاستثمارية بالشكل الذي يقلل من ارتفاع
درجة المخاطرة والسعي لكسب حصة أكبر من السوق المصرفي العالمي.
*باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي
ــ الغد