محمد جودت الرفاعي : رمضان… حكاية بيتٍ لا تنطفئ أنواره
في الأردن، لا يأتي رمضان فجأة، بل يسبقه شعورٌ خفيّ يشبه الحنين، فقبل أن يُعلن ثبوت الهلال، تكون البيوت قد بدأت استعداداتها: تنظيفٌ شامل، ترتيبٌ للسجاد، وإخراج فوانيس قديمة احتفظت بها العائلة منذ أعوام، وكأن الشهر ضيفٌ عزيز، لا يليق استقباله إلا بأجمل ما في البيت من دفء واهتمام.
ومع أول يوم صيام، يتبدّل إيقاع الحياة، وتهدأ الشوارع قبيل المغرب، ثم تعود لتنبض بعد الأذان، ففي عمان وإربد والزرقاء وجرش والطفيلة وباقي المحافظات، يتكرر المشهد ذاته: عائلات تتجمع حول مائدة واحدة، وأطباق تتشابه في الشكل لكنها تختلف في "نَفَس” كل بيت.
وتبدأ المائدة بالتمر والماء، ثم الشوربة التي لا يكاد يخلو منها بيت، تليها أطباق ارتبطت بالذاكرة الأردنية؛ المنسف في العزائم الكبيرة، والمقلوبة في الجمعات العائلية، والفتوش أو السلطة البلدية التي تزيّن المائدة بألوانها، وغيرها من الأكلات الشعبية، أما القطايف، فهي سيّدة الحلويات بلا منازع، تُحشى بالجوز أو القشطة، ويتنافس أفراد الأسرة على إعدادها في طقسٍ منزلي بسيط لكنه مفعم بالفرح.
ومن العادات التي توارثتها الأجيال عادةُ تبادل أطباق الطعام بين الجيران قبيل أذان المغرب؛ تلك اللفتة البسيطة التي كانت تُشبه رسالة محبة صامتة تُطرق بها الأبواب قبل أن يُطرق الجوع، ورغم أنها اليوم تكاد تنحسر تحت وطأة إيقاع الحياة السريع وظروف العوائل الاقتصادية، إلا أنه ما تزال بعض الأسر تحرص عليها بوصفها طقساً لا يجوز التفريط به، حيث يحمل الأطفال الصحون المغطاة بحذرٍ وفخر، يعبرون بها إلى البيوت المجاورة، فيتعلّمون دون وعظٍ مباشر معنى المشاركة، ويكبر في داخلهم إحساس الانتماء للحيّ قبل البيت.
وبعد الإفطار، تمتلئ المساجد بالمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح، ويتحوّل الليل إلى مساحة اجتماعية نابضة، إذ أن بعض العائلات تخرج للتنزّه في الأسواق الشعبية، حيث تُباع العصائر الرمضانية التقليدية كقمر الدين والتمر الهندي، وتُقام بازارات صغيرة للأعمال اليدوية في المدن ، وفي القرى، تبقى السهرات أكثر بساطة؛ جلسات قهوة عربية، وأحاديث طويلة عن الماضي، وأطفال يركضون في الساحات حتى يداهمهم النعاس.
ومن المظاهر الراسخة أيضاً موائد الرحمن وتوزيع المياه والتمر على المارة التي باتت تُقام في بعض الأحياء، حيث يُدعى المحتاج وعابر السبيل إلى الإفطار دون سؤال، كما تنشط حملات توزيع الطرود الغذائية، ويتسابق الناس لإخراج زكاة أموالهم وصدقاتهم في هذا الشهر، إيماناً بأن العطاء فيه مضاعف الأجر.
وفي العشر الأواخر، يزداد الهدوء خشوعا، وتحرص العائلات على تحفيز أبنائها لختم القرآن، بينما تتجه الأنظار إلى ليلة القدر بقلوبٍ مفعمة بالدعاء، وحين يقترب العيد، تبدأ طقوس جديدة: شراء الملابس، إعداد المعمول، وتجهيز "العيدية” التي ينتظرها الأطفال بشغف.
وأخيراً، رمضان في الأردن ليس مجرد طقوس دينية، بل سردية اجتماعية تتكرر كل عام، وتكبر مع كل جيل، وقد تتغير التفاصيل الصغيرة، لكن الجوهر يبقى واحداً: بيتٌ مفتوح، مائدةٌ عامرة، وقلوبٌ تعرف أن هذا الشهر فرصةٌ لتجديد الروابط، مع الله أولاً، ثم مع الناس.