الأخبار

القس سامر عازر يكتب : حاجتنا للصوم تزداد أكثر..

القس سامر عازر يكتب : حاجتنا للصوم تزداد أكثر..
أخبارنا :  

القس سامر عازر

يتزامن فصل الصوم هذا العام، إسلامياً ومسيحياً، مع تعدد طرق الصوم وفرائضه وتقاليده. وكأن السماء تدعونا جميعاً، على اختلاف مساراتنا الروحية، إلى وقفة واحدة أمام ذواتنا. فالصوم في جوهره ليس حرماناً شكلياً ولا امتناعاً عابراً عن بعض الأطعمة او كلّها، بل هو فعل وعيٍ وتقديرٍ لنِعَم السماء الكثيرة من يد الخالق، تلك النعم التي قد لا ندرك قيمتها إلا حين يفوت العمر أو تداهمنا الخسارة.

البركات أوسع من المادة والثروة والنفوذ. إنها الصحة والعافية، والتوفيق والرضى، والسلام الداخلي، والصُلح مع الذات، ومحبة الناس وتقديرهم، والسمعة الطيبة، والكرامة الإنسانية. لذلك فإن من لا يتذكر نعم الله ويشكره عليها في أيام شبابه، كيف له أن ينتظر أن يُذكر في ملكوته الأبدي؟ لقد صدقت الحكمة الكتابية في سفر الجامعة: "اذكر خالقك في أيام شبابك" (جا 12:1). فالتذكّر فعل إيمان، والشكر أسلوب حياة، والصوم مدرسة امتنان.

ومن جانب آخر، الصوم فعل رحمة. إنه تضامن صامت مع من قصت عليهم الحياة وأغرقتهم في لجج الفاقة والعوز، ومع من خلت أيامهم ممن يذكرهم أو يحنو عليهم. الصوم الحقّ يوقظ فينا الإحساس بالآخر، ويحرّك فينا مسؤولية المشاركة، لا من فائضنا فقط، بل من قلبنا. إنه دعوة إلى أن نكون جسور رجاء لمن انقطعت بهم السبل، وأن نُسهم في تخفيف أوجاعهم ومساعدتهم على النهوض من جديد.

والصوم أعمق من مفهوم الأكل والشرب. إنه تهذيب للنفس، وتدريب لها على البساطة والاكتفاء بالقليل، وعلى الاستغناء بشبعٍ أعمق، شبع النفس من كلمة الله الحيّة التي تشفي القلب وتسنده وتعينه على السير وسط عالم متخبط يمجّد المادة ويؤلّهها، وينسى أن النفس قد تُطلب في ليلة لا يحتسبها الإنسان، وهو لم يُكمل بعد واجباته الدينية والدنيوية.


وأعظم ما في الصوم أن نصوم عن الشر قبل الطعام، وعن الفساد قبل اللقمة، وعن الظلم قبل الشهوة. ما قيمة صومٍ لا يحررنا من استعباد الناس وتسخيرهم بغير وجه حق؟ ما جدوى صومٍ لا يردّ الحقوق، ولا ينصف المظلوم، ولا يعيد الاعتبار للمجروحين؟ أية فائدة روحية لصومنا ونحن نرزح تحت وطأة غيّنا، ونتجاهل تصحيح مسارنا، ونتردد في طلب الصفح والغفران، حتى ممن أسأنا إليهم؟ الصوم الحقيقي يقود إلى المصالحة، والتسامح، والمحبة الفاعلة.


إن العالم كله يحتاج إلى الصوم اليوم، لكن البداية تكون من ذواتنا. كما جاء في سفر إشعياء:
"أَلَيْسَ هَذَا صَوْمًا أَخْتَارُهُ: حَلَّ قُيُودِ ٱلشَّرِّ، فَكَّ عُقَدِ ٱلنِّيرِ، وَإِطْلَاقَ ٱلْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا، وَقَطْعَ كُلِّ نِيرٍ؟ أَلَيْسَ أَنْ تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ ٱلْمَسَاكِينَ ٱلتَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ؟ إِذَا رَأَيْتَ عُرْيَانًا أَنْ تَكْسُوهُ، وَأَنْ لَا تَتَغَاضَى عَنْ لَحْمِكَ" (إش 58: 6-7).

هذا هو الصوم الذي نحتاجه اليوم: أن نوقف كل شر، وأن نحلّ العقد التي تُثقل كاهل الناس، وأن نحرر المسحوقين والمستضعفين، وأن نحارب الجوع بمشاركة خبزنا، وأن نهدي التائهين بكلمة حق، وأن نستر عري الإنسان المادي والمعنوي، وألا نتغاضى عن" لحمنا"؛ أي عن أخينا الإنسان.

حاجتنا إلى الصوم تزداد أكثر، لأن حاجتنا إلى إنسانيتنا تزداد أكثر. فليكن صومنا هذا العام ارتقاءً في الروح، وعودةً إلى الجوهر، وتجديداً للعهد مع الله والإنسان، حتى يصبح الصوم أسلوب حياة لا موسماً عابراً، ونشهد أن الإيمان إذا لم يتحول إلى عدل ورحمة، يبقى ناقصاً مهما طال انقطاعنا عن الطعام.

مواضيع قد تهمك