الأخبار

د. ايهاب العابودي : تعليم.. هل يجهّزنا التعليم لسوق العمل؟ فجوة المهارة لا الشهادة

د. ايهاب العابودي : تعليم.. هل يجهّزنا التعليم لسوق العمل؟ فجوة المهارة لا الشهادة
أخبارنا :  

في الأردن نعلّم أبناءنا كيف ينجحون في الامتحان، ولا نعلّمهم كيف ينجحون في الحياة.

نسألهم دائمًا: كم حصلت؟

ولا نسألهم أبدًا: ماذا أصبحتَ قادرًا أن تفعل؟

سنوات طويلة نربط التفوّق بالعلامة، ونربط المستقبل بالشهادة، ونربط النجاح بورقة مختومة.

ثم نقف عند باب سوق العمل مستغربين:

لماذا لا تفتح هذه الأوراق الأبواب؟

لأن الحقيقة التي نتجنب قولها واضحة:

نحن لا نُخرّج طلبة تنقصهم المعرفة

بل نُخرّج طلبة تنقصهم القدرة.

سوق العمل لا يسأل: ماذا كنت تحفظ؟

يسأل سؤالًا واحدًا حاسمًا: ماذا تستطيع أن تنجز الآن؟

هل تستطيع أن تتواصل بوضوح؟

أن تحلّ مشكلة دون انتظار التعليمات؟

أن تعمل ضمن فريق دون حساسية؟

أن تدير وقتك؟

أن تتكيّف حين تتغيّر الظروف فجأة؟

هذه ليست مهارات إضافية

هذه هي الوظيفة نفسها.

ومع ذلك لا مكان لها في مناهجنا.

في المدرسة، يتعلّم الطالب أن الإجابة النموذجية أهم من الفهم.

وفي الجامعة، يتعلّم أن النجاح يعني أن يكتب كما في الكتاب.

وفي الامتحان، يتعلّم أن التفكير مخاطرة والالتزام بالنص أمان.

يكبر وهو بارع في الحفظ، ومتقن في الاستظهار، وممتاز في اجتياز الاختبارات

لكن لم يُطلب منه يومًا أن يفكّر بصوت عالٍ، أو أن يناقش فكرة، أو أن يخطئ ويتعلّم، أو أن يعمل فعلًا مع آخرين.

يتخرّج وهو يحمل شهادة تقول إنه أنهى المنهاج

لكنها لا تقول إنه جاهز للحياة.

ولو وضعنا ما يطلبه السوق مقابل ما ندرّسه، لبدت الصورة موجعة:

السوق يريد من يبادر والتعليم يدرّب على انتظار التعليمات.

السوق يريد من يحلّ المشكلات والتعليم يدرّب على حفظ الإجابات.

السوق يريد التفكير النقدي والتعليم يكافئ الالتزام بالنص.

السوق يريد العمل الجماعي والتعليم يقيس النجاح فرديًا.

ليست المشكلة في ذكاء الطلبة،

ولا في اجتهادهم، بل في فلسفة تعليم ما زالت تعتقد أن العلامة إنجاز، وأن الشهادة نهاية الطريق.

لهذا يصل كثير من الخريجين إلى أول وظيفة مرتبكين، يبدأون من الصفر.

لا يعرف كيف يكتب بريدًا مهنيًا، ولا كيف يقدّم نفسه في مقابلة، ولا كيف يتعامل مع عميل، ولا كيف يدير مهمة بسيطة ضمن فريق.

تفاصيل صغيرة؟

هي في الحقيقة صميم الحياة المهنية.

نحن لا نُخرّج عاطلين عن العمل

نحن نُخرّج غير مهيّئين له.

وهنا السؤال الذي يجب أن يؤلمنا:

كيف نجح التعليم في أن يُخرج آلاف المتفوّقين

وجعل الجاهزية لسوق العمل مسألة حظٍّ فردي، لا نتيجة منظومة؟

الإجابة ليست في الطالب.

الإجابة في نظام تعليمي ما زال يظن أن الشهادة هي الغاية، بينما تتجه أنظمة تعليمية عديدة حول العالم نحو المهارة قبل الشهادة.

نحن لا نحتاج مزيدًا من المتفوّقين في الامتحان

نحن نحتاج متفوّقين في الحياة.

ولأن فجوة المهارة ليست سوى بداية الحكاية سنكمل في المقال القادم كيف تحوّلت الشهادة من أداة معرفة إلى وهمٍ اجتماعي، قبل أن ننتقل إلى الأهم: كيف نردم هذه الفجوة فعلًا.

مواضيع قد تهمك